يُعد الصراع في الشرق الأوسط من أكثر الصراعات تعقيدًا في العالم، نظرا لتداخل أبعاده وتشابك أجنداته. كما أنه لا يًنف كصراعاً تقليديًا بين دولتين، بل يُمثل فى جوهرة شبكة معقدة من النزاعات التي تشتمل على عوامل سياسية، واقتصادية، ودينية، وجهوية قبائيلية وعشائرية، بالإضافة إلى تدخلات دولية وتطويعهم لمسارات الصراع بما يتناسب مع أجنداتهم الخاصة. على نحو ما يفضى إلى معادلة قوامها أن الصراع فى الشرق الأوسط سيظل بدون تسوية ولا يُحل ، ولكن يُدار بتوازنات.
الجدير بالملاحظة أن أحد أبرز أسباب تعقيدات الصراع فى الشرق الأوسط هو تعدد الأطراف الفاعلة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، حيث تسعى كل دولة إلى تحقيق مصالحها الخاصة بمنأى عن ثقافة "العمل المشترك"، مما يؤدي إلى تضارب الأهداف وصعوبة الوصول إلى حلول مشتركة. كما يلعب التنافس على النفوذ والثقل والسيطرة على الموارد، خاصة النفط والغاز، دورًا مهمًا في تأجيج دورات متتالية من الصراعات المُدارة فى الشرق الأوسط دون حل أو سلام دائم، خاصة عند التعمق فى فهم المحفزات التالية:
· جيوسياسية النفوذ الاقليمي: أحد أبرز محفزات الصراع خاصة بين القوى التقليدية والصاعدة على إدارة ثقل الإقليم وترسيم أطر الهيمنة. بالمقابل، من المهم أن نعى أنه لا توجد دولة واحدة تمتلك مقومات الهيمنة على خريطة الشرق الأوسط ككل. بل هناك ما يُعرف بالدول "الأقرب نسبيا"، إذ تتصارع فيما بينهم على نقاط الإرتكاز والثقل. فعلى المستوى التقليدي(مصر – السعودية) بينما على المستوى الصاعد (إيران – إسرائيل – تركيا)، لتكون المحصلة النهائية ان الصراعات مستمرة - فى إطار مُدار - دون صعود المهيمن ، إستنادا إلى: (تضرب الصالح، توازن معقد للقوى، إرتفاع تكلفة الهيمنة). وهو ما يؤسس لنموذج إقليمي متعدد الأقطاب تحكمة صراعات مستمرة منخفضة التصعيد.
· فرض نماذج مضللة: فى الآونه الأخيرة منذ أحداث 7 أكتوبر2023، بدأ أن يطفو على السطح إرهاصات شيمون بريز الذى تحدث عنها مُسبقا عام 1992 (الشرق الأوسط الجديد) ولكن بصيغة آحادية صهيونية وليست تشاركية تعاونية. مقابل إغفال واضح لكينونة (المنطقة العربية) وتضليل الآجيال العربية عن الروابط القومية التاريخية وماهية العروبة. فعلى سبيل المثال: دوما ما يستعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي خريطة الشرق الأوسط الجديد، وكذلك الإرهاصات الأمريكية لدونالد ترامب عن المستقبل البرجماتى للمنطقة الشرق أوسطية، فى محاولة لترسيخ تلك الفكرة المشوهه فى ذهنية الرأى العام العربى والعالمى.
· الأقلمة الطائفية وتفكيك المجتمعات: فالطائفية تُعد أحد أبرز محركات السياسيات النوعية بالشرق الأوسط ، فالتسييس الطائفى للمكونات المذهبية يتم توظيفة لتعميق الإنقسامات، وتفكيك البنية الوطنية، وتعزيز نمط الحروب بالوكالة فى الشرق الأوسط. بل يذهب البعض حيث المغالاه والمناداة بالأقلمة مقابل المركزية، والذى من شأنه أن يعمق أزمات الداخل؛ ونجد أن إشكالية التهميش السياسى والإقتصادى والإجتماعى دائما ما تكون مصاحبة للدعوات النافذة نحو الأقلمة وتفكيك المجتمعات عبر إجتزاء إقليم معين عن المركز الوطني. ويتم دعم تلك التصورات الفوضوية بأجندات خارجية سواء من جانب قوى اقليمية تقليدية أو صاعدة، أو قوى دولية خارجية.
· التجيش وإدارة السردية الإعلامية: يُعد من أخطر الأسلحة والتى تفوق "السلاح العسكرى"، خاصة وأنه ينوط به تجييش الرأى العام وإعادة توجيهه، وخلق حالة تعبيئة تجاه قضايا معينة سواء دعم أو غضب موجه. إذ يتم إدارة السردية الإعلامية عبر صناعة رواية تخدم مصالح الدولة الوطنية أو الفاعل السياسي سواء الاقليمي أو الدولى. مستندين فى ذلك على أدوات نوعية تتباين بين: صناعة العدو عبر تصوير طرف معين كتهديد وجودى، أو الإنتقائية فى إستعراض المعلومات، كذلك استخدام المؤثرات لإستجداء العاطفة أو تحفيز الغضب كصور للضحايا أو قصص انسانية مؤثرة ، بالإضافة إلى إستخدام إستراتيجيات التضليل عبر إجتزاء تصريحات خارج سياقها، أو اعتماد سياسات التكرار لعدد من الرسائل التوجيهيه فى إطار إعادة تشكيل السيكولوجية الذهنية للرأى العام على مختلف المستويات الوطنية والاقليمية والعالمية. فالحرب الإعلامية دوما ما تسبق الحرب العسكرية، وهو ما يمكن تلمسة بالصراعات القائمة بالشرق الأوسط ، حيث أصبح الجمهور جزء أصيل من المعركة، ومرآة كاشفة لمجمل التحولات السيكولوجية بمختلف الأزمات النوعية بالمنطقة ككل.
تأسيسيا علي ما سبق استعراضه أعلاه
فإن ماهيه الصراع في الشرق الأوسط، ومحفزانه، يظل مثالًا واضحًا على صعوبة إدارة التصعيدات متعددة الأبعاد، حيث تتداخل المصالح وتتشابك الأهداف، مما يجعل الوصول إلى حلول نهائية وتسويات مستدامة أمرًا بالغ التعقيد وشديد الحساسية.