محمد الشافعي: عبد الحليم حافظ المؤرخ الفني لثورة يوليو وصوت الجمهورية|خاص
قال الكاتب الصحفي والمؤرخ الكبير محمد الشافعي إن الفنان عبد الحليم حافظ بدأ مشواره الفني قبل قيام ثورة يوليو 1952 بفترة، لكنه لم يحقق خلالها نجاحًا ملموسًا، بل واجه صعوبات واضحة في بداياته، لدرجة أنه حين غنّى أغنية “صافيني مرة” من ألحان صديقه محمد الموجي في إحدى صالات الإسكندرية، قوبل برفض من الجمهور الذي لم يتقبله آنذاك، في واقعة أصبحت من أشهر المحطات في تاريخ عبد الحليم، وتعكس حجم التحديات التي واجهها قبل انطلاقته الحقيقية.
بداية عبدالحليم حافظ الحقيقة
وأضاف الشافعي في حديثه لـ إيجبتك: أن الميلاد الحقيقي لعبد الحليم حافظ كفنان ارتبط ارتباطًا وثيقًا بثورة يوليو، وبالتحولات الكبرى التي شهدتها مصر في تلك الفترة، وتحديدًا في لحظة إعلان الجمهورية، مشيرا إلى أن في مساء 18 يونيو عام 1953، وأثناء حفل كان يقدمه الفنان القدير يوسف وهبي، وصلته ورقة على المسرح تفيد بقرار قادة الثورة إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وهو الحدث الذي غير وجه الحياة السياسية والاجتماعية في مصر، حيث كان الملك فاروق الأول قد غادر البلاد، وتم إعلان نهاية الحكم الملكي.
أغنية صافيني مرة
وأشار إلى أن يوسف وهبي أعلن الخبر على الجمهور، فعمّت حالة من الفرح والهتاف داخل القاعة، في لحظة تاريخية فارقة، ثم قرر أن يقدّم للجمهور صوتًا جديدًا، قائلاً: “أقدم لكم المطرب الجديد عبد الحليم حفص”، وهنا غنّى عبد الحليم “صافيني مرة” من جديد، لكن هذه المرة قوبلت الأغنية بحفاوة كبيرة، وكأن المزاج العام للجمهور، المتأثر بفرحة إعلان الجمهورية، كان مهيأً لاستقبال هذا الصوت الجديد، لتصبح تلك اللحظة بمثابة الميلاد الحقيقي لعبد الحليم حافظ، المتزامن مع ميلاد الجمهورية المصرية.
عبدالحليم حافظ مؤرخ فني
وأوضح أن عبد الحليم لم يكن مجرد مطرب عادي، بل انحاز بشكل كامل إلى مبادئ وإنجازات ثورة يوليو، حتى يمكن اعتباره من وجهة نظر أي مؤرخ منصف ومؤرخًا فنيًا لهذه الثورة، حيث عبّر بأغانيه عن التحولات الاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، مثل العدالة الاجتماعية، والتصنيع، ومجانية التعليم، والإصلاح الزراعي، وغيرها من المشروعات القومية التي غيّرت بنية المجتمع المصري.
العندليب وعلاقته بجمال عبدالناصر
وأوضح أن عبد الحليم ارتبط بعلاقات وثيقة مع أسرة الزعيم جمال عبد الناصر، خاصة مع أبنائه، وهو ما عزز من حضوره كصوت معبر عن مرحلة سياسية واجتماعية كاملة، كما أصبح وجهًا محبوبًا لدى الشباب المصري، الذي كان يعيش حالة من الحلم والطموح في ظل التغيرات السريعة التي شهدتها البلاد.
أغاني عبدالحليم حافظ
وأكد الشافعي أن عبد الحليم حافظ استطاع من خلال أغانيه الوطنية أن يوثق لهذه المرحلة، من خلال أعمال مثل “إحنا الشعب”، و“صورة”، و“بالأحضان”، وغيرها من الأغاني التي أصبحت جزءًا من الوجدان الجمعي المصري، حيث غنّى للعمال والمصانع والفلاحين، وعبّر عن طموحات الشعب وآماله، ليصبح بالفعل صوت الثورة ومؤرخها الفني.
وأضاف أنه رغم أن كبار المطربين في مصر والعالم العربي، مثل محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، ونجاة الصغيرة، ووردة الجزائرية، وشادية، قد شاركوا جميعًا في الغناء للثورة، فإن عبد الحليم ظل الأكثر ارتباطًا بها، والأكثر تعبيرًا عن روحها، نظرًا لكثافة إنتاجه الوطني وتماهيه مع خطابها.
واختتم الشافعي حديثه لـ إيجبتك قائلا: إن عبد الحليم حافظ كان ابن الطبقة المتوسطة، التي عبّر عنها بصدق، سواء في أغانيه الوطنية أو العاطفية، حيث نشأ في ظروف صعبة بعد وفاة والدته يوم ميلاده، ودخوله دار الأيتام، قبل أن يشق طريقه في عالم الفن، مستندًا إلى موهبته وإصراره، كما لعب شقيقه إسماعيل شبانة دورًا في دعمه في بداياته، رغم أن شهرة عبد الحليم تجاوزت الجميع، مشيرا إلى أن عبد الحليم تعاون مع كبار الملحنين، مثل محمد الموجي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، ومنير مراد، وكان له دور في إبراز بعضهم، خاصة بليغ حمدي، الذي قدّمه عبد الحليم للجمهور باعتباره مستقبل الموسيقى في مصر. وهكذا، ظل عبد الحليم حافظ رمزًا فنيًا وإنسانيًا، وصوتًا معبرًا عن مرحلة تاريخية كاملة في وجدان المصريين.