ماذا قالوا عن عبد الحليم حافظ؟.. شهادات تكشف سر عبقرية العندليب|تقرير
لم يكن عبد الحليم حافظ مجرد مطرب ناجح، بل ظاهرة فنية وإنسانية متكاملة، ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور رغم مرور عقود على رحيله، وبين ذكائه الفني اللافت، وإحساسه الصادق، وسعيه الدائم للتجديد، وفي ذكرى رحيله تظهر شهادات المقربين منه وصناع الفن حول سر تفرده واستمراريته، من الموسيقيين والكتاب إلى أفراد عائلته وشركاء نجاحه.
شهادات حول العندليب عبد الحليم حافظ
في البداية قال الكاتب والروائي والموسيقي الدكتور حسين نوح، إن عبد الحليم حافظ بالنسبة له ومن خلال معاملته الشخصية المباشرة معه، يُعد من أذكى الفنانين في تاريخ مصر، موضحًا أنه نموذجًا فنيًا فريدًا يجمع بين الذكاء والإحساس العالي، مشيرًا إلى أن محمد عبد الوهاب قال عنه أنه ليس فقط صاحب صوت مميز، بل هو “أحلى إحساس وأذكى صوت في مصر”.
وأضاف نوح، في تصريح خاص لـ “إيجبتك”، أن عبد الحليم كان دائم السعي للتجديد، وعندما وجده يعزف في فرقة أخيه محمد نوح، طلبه أن ينضم إلى فرقته «فرقة عبد الحليم حافظ»، موضحًا أنه قام بالعزف مع حليم في كثير من الأعمال مما يعكس رغبة العندليب في أن يضع ذاته في الإطار الموسيقي الحديث، وحاول مواكبة التطورات الموسيقية الحديثة، خاصة مع ظهور فرق تستخدم الآلات الغربية مثل الدرامز، لافتًا إلى أنه أراد أن يخوض تجربة مشابهة، وطلب تسجيل أعمال بأسلوب حديث ليواكب العصر.
ولفت إلى أنه كان لا ينام ليلًا بسبب ظروفه الصحية المرتبطة بدوالي المرئ، بحيث إذا أصابه نوبة تعب يقوم أحد أفراد أسرته بإسعافه، فضلًا عن ظروف تربيته ونشأته التي جعلته يشعر بالمعاناة وبالتالي يصل إحساسه، قائلًا عبد الحليم من الفنانين الصادقين في إحساسهم، ويتضح ذلك في أعماله سواء أفلام أو أغاني، مؤكدًا على أنه كان دائم الاهتمام بعمله رغم الظروف والمصاعب، وخير دليل على ذلك أعماله من الأبنودي وصلاح جاهين التي حققت نجاحًا ولا تزال حية، واهتمامه بالتعاون مع العازفين من أمثال عمر خورشيد ومجدي الحسيني، وكلها دلالات على رغبته في الوصول والنجاح.
وأوضح أن سر نجاح عبد الحليم الحقيقي يكمن في صدقه الشديد، حيث كان الجمهور يصدقه في كل ما يقدمه، سواء في الغناء أو السينما، مشيرًا إلى أن إحساسه كان يصل للناس بسهولة، وهو ما جعله يعيش معهم في كل أغانيه، مثل “في يوم في شهر في سنة”، مؤكدًا أن هذه الصفة لا تتوفر في كل الفنانين.
وأشار إلى أن عبد الحليم كان شديد الالتزام بعمله، حيث كان يهتم بالبروفات والتفاصيل الدقيقة، لدرجة أنهم كانوا يذهبون إليه في منزله لإجراء البروفات، وكان يستغل وقته في العمل، ما يعكس حجم اجتهاده وإخلاصه لفنه.
علاقة عبد الحليم وكبار المثقفين
وأردف أنه كان حريصًا على اختيار أفضل العناصر الفنية، فتعاون مع كبار الشعراء مثل صلاح جاهين ومحمد حمزة وعبد الرحمن الأبنودي، كما كان يبحث دائمًا عن المواهب الجديدة سواء في العزف أو الغناء، وكان يسعى لاكتشاف كل ما هو مختلف ومميز.
وتابع قائلًا إن عبد الحليم كان يحرص على متابعة التطور العالمي في الموسيقى، حيث كان يسافر إلى أوروبا وفرنسا للاطلاع على أحدث الأساليب والآلات، وكان من أوائل من أدخلوا عناصر جديدة مثل الساكسفون في الفرق الموسيقية، بهدف تقديم شكل مختلف ومتطور من الغناء.
واختتم أن نجاح عبد الحليم واستمراريته حتى اليوم يرجعان إلى الاجتهاد والوعي، مشيرًا إلى أن أعماله ما زالت تُشاهد وتُسمع حتى الآن، وأن أفلامه مثل “حكاية حب” و“الخطايا” ما زالت تحظى بمتابعة جماهيرية كبيرة.
المواقف الإنسانية للعندليب
من جانبه قال محمد شبانة، نجل شقيق الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، إن المواقف الإنسانية للعندليب كثيرة جدًا، زمن أبرزها إحيائه خمس حفلات تبرع بأجرها لإنشاء جامعة الزقازيق، التي أصبحت فيما بعد جامعة مستقلة، كما أنشأ وحدة صحية في الحلاوات لعلاج الأمراض المستوطنة، ومنها البلهارسيا التي عانى منها أبناء جيله، إضافة إلى تأسيس مسجد الفتح في الشرقية، الذي يعد من العلامات البارزة بالمحافظة، مؤكدًا أن حياته كانت مسيرة حافلة بالعطاء ومساعدة الفقراء حتى وفاته.
وأضاف شبانة، في تصريح خاص لـ“إيجبتك”، أن من أبرز مواقفه الإنسانية أنه كان إذا رأى شخصًا حزينًا في الشارع ينزل إليه ويعمل على تفريج كربه، مشيرًا إلى أنه كان مليئًا بالمواقف الإنسانية.
وأوضح أن معاناة عبد الحليم كانت تتمثل في مرضه، قائلًا إنه كان نادرًا ما يتعافى منه، لافتًا إلى دهشة الناس من قدرته على تقديم هذا الإرث الفني الكبير خلال 22 عامًا من الغناء والأفلام رغم إصابته بمرض عضال، معتبرًا ذلك من فضل الله، لأنه كان رجلًا مؤمنًا، وكان العمل يساعده على التخفيف من آلامه، مشيرًا إلى أن بعض الصحف آنذاك روجت شائعات حول تظاهره بالمرض، إلا أنه بعد وفاته خرج الصحفيان “نبيل عصمت وأحمد رجب” بعنوانين لمقالاتهما "الآن صدقتم أن عبد الحليم كان مريضًا؟".
وأشار إلى علاقة عبد الحليم بالشاعر صلاح جاهين، مؤكدًا أنه كان يتمتع بخفة ظل، وكانت تجمعهما مواقف طريفة، لافتًا إلى أن جاهين توقف عن كتابة الأغاني الوطنية بعد النكسة نتيجة إصابته بالاكتئاب، بعد ما كان من أبرز الداعين للوحدة العربية، ونتيجة لهذا اختفى جاهين وترك المنزل فجاءت أخته تسأل عنه عند عبد الحليم، فقال لها لا تقلقي سيعود غدًا بكل ثقة، وراح يكتب مانشيت في إحدى الصحف يقول فيه “ارجع يا صلاح أهلك بيدوروا عليك”، كما تحدث عن علاقة صداقة قوية جمعته بالكاتب إحسان عبد القدوس، حيث كانا يتبادلان الآراء في مختلف القضايا، مؤكدًا أنها كانت علاقة أخوية قائمة على الحب.
حليم والحكام العرب
وتطرق إلى علاقة عبد الحليم بالحكام العرب، ومن أبرزهم ملك المغرب الحسن الثاني، موضحًا أنه كان يخصص له مصمم أزياء عالمي داخل القصر الملكي لاختيار تصميمات بدله، ويأمر بعدم طرحها في الأسواق لمدة 25 عامًا، وفصل له بدلتين خصيصًا، مشيرًا إلى أنه عندما تعرض عبد الحليم لوعكة صحية في المغرب، أمر الملك بعلاجه، حيث تم نقله من باريس إلى الولايات المتحدة لمدة ستة أشهر، ثم عاد إلى مصر بعد أطول رحلة علاج في حياته، مؤكدًا أن علاقاته بالحكام كانت جيدة، وكان محبوبًا بينهم، ولم يكن شخصًا استغلاليًا بل كان يرد الجميل.
وتابع: إن الأجانب الذين يزورون مصر من دول مختلفة مثل فرنسا وأمريكا وألمانيا وغيره، يرددون أغانيه رغم عدم فهمهم لمعانيها، إلا أنهم يتأثرون بصوته وإحساسه، ويحرصون على زيارة منزله، لدرجة أنهم يشعرون بقشعريرة عند الوقوف فيه، تقديرًا لصاحب هذا الصوت المليء بالشجن.
العندليب وعلاقته بالأبنودي
من جتها أكدت آية الأبنودي، ابنه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، إن علاقة التعاون بين والدها الشاعر الكبير والفنان الراحل عبد الحليم حافظ كانت مميزة وملهمة، حيث بدأ التعاون بينهما في الأغاني الوطنية، قبل أن يمتد إلى الأغاني العاطفية التي ما زالت محفورة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.
وقالت في تصريح خاص لـ "إيجبتك" أن أول لقاء بين والدها وعبد الحليم كان موقفًا طريفًا، حينما كان الأبنودي بيسجل في ستوديو ووجد أفراد أتوا لأخذه، فحسب أنه يتم إلقاء القبض عليه، واصطحبوه في سيارة إلى منزل عبدالحليم، ما أثار استغراب الأبنودي في البداية، لكنه سرعان ما أدرك أن هذا هو منزل عبدالحليم، مستكملة وفي البداية غضب الأبنودي من الطريقة ولكن عبد الحليم قال أنه كان يرغب في رؤيته، لافتةً إلى أن عبدالحليم كان يتمتع بروح الكرم والإنسانية التي يتمتع بها حليم.
وأضافت الأبنودي، أن الإعداد للأغاني كان يتم في بيت عبد الحليم، حيث كان يجتمع مع الموسيقيين مثل بليغ حمدي، وكمال الطويل، ومحمد الموجي، لتشكيل ما وصفته بـ "مصنع الأغاني الجميلة"، وكانت هذه اللقاءات فرصة للإبداع والتجريب، سواء للأغاني الوطنية أو العاطفية مثل «أنا كل ما قول التوبة» و«مشيت على الأشواك»، قائلة أن الأبنودي كان دائمًا يقول أنه يرشي عبدالحليم بأغاني عاطفية حتى يعطي أغاني وطنية.
وأشارت إلى أن تعاون الثلاثي الأبنودي وعبد الحليم وبليغ حمدي أثمر أغاني خالدة مثل «الفنارة»، «التوبة»، و«عدَّى النهار»، والتي ساهمت في رفع الروح المعنوية للشعب المصري بعد نكسة 1967، كما أن أغنية «صباح الخير يا سينا» التي كتبها الأبنودي، وغناها جاءت بعد نصر أكتوبر 1973، لتظل رمزًا للوطنية والفن الخالد، وبعد هذا الانتصار كتبت الإعلامية الكبيرة نهال كمال، رئيس التليفزيون الأسبق، كتاب بـعنوان “ساكن في سواد النني”، وهو مقتبس من أغنية “صباح الخير يا سينا”.
واستكملت ابنه الشاعر الراحل أن العلاقة بين والدها وعبد الحليم لم تقتصر على العمل الفني فقط، بل شملت مواقف إنسانية يومية، من الكرم وحسن الضيافة إلى تبادل الفكاهة واللحظات الطريفة، مثل موقف الأبنودي مع تصميم الحمام الفخم في منزل عبد الحليم، الذي أثار دهشته وضحكه في الوقت ذاته، قائلة “الأبنودي كان رجل بسيط، وفي ذلك الوقت كان حمام حليم رخام، مما أثار دهشة الأبنودي وقال له ما فائدة هذا في مكان للفضلات، هل تريد مني أتبول في حمام يبني أبنود كلها؟”.
وتابعت أن والدها كان يكتب كلمات الأغاني مع الانتباه لشخصية عبد الحليم وطريقة أدائه، بما يجعل الأغنية تتوافق مع صوته وإحساسه، مشيرة إلى أن كل الأغاني التي كتبها الأبنودي لعبد الحليم كانت نابعة من صدق الفن وحرص على توصيل رسالة قوية للمستمعين.