علينا أن نعترف ونواجه أنفسنا بحقيقة أن التغير المناخي طال تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد الأمر مجرد محاور للنقاش في مؤتمرات أو أوراق بحثية في أروقة الجامعة، ولم يعد أمرًا ينشغل به نشطاء المناخ في دول العالم الأول؛ أصبحنا جميعًا في مواجهة الوحش الذي لن يرحم من يتجاهله.
انزعج الجميع بالارتباك المترتب على إلغاء اليوم الدراسي لمدارس محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية (القاهرة الكبرى)، بالطبع لم يكن إلغاء الدراسة هو السبب، وإنما – وكما نعلم – كمنت المشكلة في الارتباك الذي واكب اتخاذ القرار، وترتب عليه أن وصوله للمدارس للتنفيذ حدث بعد أن وصل أغلب الطلاب بالفعل، بعضهم كان في الطابور المدرسي، والآخر قد بدأ الحصة الأولى بالفعل، وبكل تأكيد لم يكن البعض قد تمكن من الوصول إلى مدارسهم بسبب الأحوال الجوية، وتضرر عدد كبير من الطلاب وأولياء الأمور، فالتلاميذ الصغار الذين يوصلهم آباؤهم بعضهم عاد الآباء إليهم، ما تسبب في أضرار تخص وظائفهم، والبعض جلس في المدرسة أو خارج أسوارها في انتظار أن يصحبه أحد.
صحيح أن الآباء لا يفضلون ذهاب أبنائهم إلى المدارس في أوقات الاضطرابات الجوية، لكن توافق اليوم الأحد مع موعد امتحانات الشهر التي كانت مؤجلة بالفعل بسبب إجازة عيد الفطر، ثم إجازة الأربعاء والخميس لسوء الأحوال الجوية.
وهنا نشير إلى أن إجازة يومي الأربعاء والخميس لطلاب المدارس والجامعات على مستوى الجمهورية، والتي انتقدها البعض؛ كانت قرارًا صائبًا مئة بالمئة، فمركزية القرار هنا منعت الارتباك، صحيح أن التضرر من سوء الأحوال الجوية ليس بالدرجة نفسها في كل المحافظات، إلا أن الأولوية هنا هي لدفع الضرر، والضرر الأكبر هو الارتباك الذي قد يدفع البعض لاتخاذ قرارات تتسبب في الأذية بشكل غير مقصود، وإن تأذّى طالب واحد فهذا جرمٌ كبير.
ونعود مرة أخرى للحديث عن التغيرات المناخية، لقد أصبحت هذه المتغيرات حقيقة واقعة، ولم يعد المناخ الذي نعيشه (عالميًا ومحليًا) هو نفسه الذي نشأنا فيه، وبناءً عليه فمن المنطقي أن نواجه متغيرات لم تكن في الحسبان، وعلى سبيل المثال، فقد أشارت تطبيقات الطقس، وحتى بيانات الأرصاد الجوية إلى استقرار الطقس وأن الأمطار المتوقعة ستحل بنهاية الأسبوع، لكن ما حدث أنه وقبيل الفجر نزلت الأمطار بغزارة فأربكت الكل، ذهب التلاميذ إلى مدارسهم خوفًا من تفويت الامتحانات، ثم ما جرى بعدها من قرارات متأخرة معروف للجميع.
ما أقصده هنا هو أننا نحتاج لتحديث أنماط تفكيرنا للتعامل مع التغيرات المناخية، من أمطار ودرجات حرارة منخفضة، وحتى الحرارة المرتفعة والرطوبة، هناك بلدان تبدأ الدراسة متأخرة عنا أو متأخرة مسايرةً لأنماط الطقس فيها، وربما علينا التفكير في إعادة توزيع جدول العام الدراسي طبقًا للأوقات الأكثر اضطرابًا في الطقس كشهر مارس مثلًا، وكذلك الانتباه لشهور الحرارة المرتفعة والتي ترافقها الرطوبة العالية، وما يصحب ذلك من إغماءات لدى بعض الطلاب، خاصةً أننا لا نمتلك فصولًا دراسية مكيفة، ولن نمتلكها في ضوء سياسة التقشف في التعامل مع الطاقة حتى إشعار آخر.
ربما أن علينا بناء الفصول الدراسية بمواد وأنظمة بناء مختلفة، وربما أن نعيد النظر بأسلوب "عين الطائر" إلى كثير مما يخص العملية التعليمية، استباقًا لارتباكات أخرى مختلفة ومتنوعة، بدلًا من البحث عن حلول لاحقة.
لقد أصبح التغير المناخي حقيقة واقعة، تمس تفاصيل حياتنا اليومية، وتستحق منا اهتمامًا أكبر، حتى لا ندور في دوائر مفرغة، ونحن نمتلك من العقول الذكية من يمكنهم تقديم التصورات اللازمة لاستباق الأزمات، وليس حلها وحسب.