هل يظل العقار ملاذًا آمنًا للمستثمرين وسط التوترات الإقليمية؟ | تقرير
اندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير 2026، التي شملت ضربات جوية واسعة على إيران وردودًا متبادلة استهدفت مواقع في الخليج وإسرائيل، أعاد التساؤل بقوة: هل يظل العقار في مصر الملاذ الآمن التقليدي للمستثمرين، أم أن هذه المتغيرات السريعة أعادت تشكيل قواعد الاستثمار؟ يقدم هذا التقرير قراءة محدثة لسلوك المستثمرين المصريين والأجانب، مستندًا إلى بيانات وتصريحات حديثة لخبراء القطاع، مع ربط مباشر بتداعيات الأزمة الراهنة.
الخيار الأول
تاريخيًا، ظل العقار في مصر الخيار الأول للتحوط ضد التضخم وتراجع قيمة العملة، حيث أثبت قدرته خلال الأزمات الاقتصادية السابقة، خاصة بين عامي 2022 و2024، على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى مكاسب رأسمالية. ومع استمرار التوترات الحالية وما صاحبها من ارتفاع في أسعار النفط عالميًا، وما يترتب عليه من زيادة تكاليف الطاقة ومواد البناء، تتعزز جاذبية العقار كأصل حقيقي يحافظ على القيمة.
وفي هذا السياق، أكد المهندس محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين، أن استمرار التوترات في المنطقة يدفع المستثمرين للبحث عن أدوات آمنة لحماية أموالهم، مشيرًا إلى أن العقار يظل من أكثر الأوعية الاستثمارية استقرارًا مقارنة بالأسواق المالية. وتوقع البستاني ارتفاع أسعار العقارات بنسبة تتراوح بين 15 و20%، معتبرًا ذلك انعكاسًا طبيعيًا لزيادة تكاليف الإنتاج والتضخم العالمي.
قراءة جديدة
لم يعد سلوك المستثمرين كما كان في السنوات الماضية، حيث تراجع الاعتماد على المضاربات السريعة أو شراء الوحدات تحت الإنشاء بفترات سداد طويلة، ومع تصاعد حالة عدم اليقين الناتجة عن الحرب، أصبح المستثمر أكثر حذرًا وانتقائية، متجهًا نحو الوحدات الجاهزة أو القريبة من التسليم، مع تفضيل المشروعات ذات المصداقية العالية وخطط السداد المرنة.
ويتركز الطلب حاليًا على الوحدات الصغيرة والمتوسطة في المدن الجديدة، مثل العاصمة الإدارية والقاهرة الجديدة والساحل الشمالي، في ظل احتياج سنوي يتجاوز 900 ألف وحدة سكنية نتيجة النمو السكاني وزيادة معدلات الزواج. ويعكس هذا التحول انتقال السوق من نمط “الشراء العاطفي” إلى “الاستثمار المدروس”، حيث أصبحت جودة المشروع وسمعة المطور عوامل حاسمة في اتخاذ القرار.
تأثير الحرب على السوق العقاري
رغم عدم تأثر مصر عسكريًا بشكل مباشر، فإن التداعيات الاقتصادية للحرب واضحة، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف البناء والنقل، ومن ثم ارتفاع أسعار العقارات.
فعلى جانب الفرص، قد يستفيد السوق المصري من توجه رؤوس الأموال، خاصة الخليجية، نحو بيئات أكثر استقرارًا، ما يعزز تصدير العقار وجذب العملة الأجنبية، أما على جانب المخاطر، فإن ارتفاع معدلات التضخم قد يضغط على القوة الشرائية للمواطنين، ما يؤدي إلى تباطؤ الطلب في المدى القصير.
وفي هذا الإطار، حذر محمد خطاب، عضو غرفة التطوير العقاري، من التسرع في توقع طفرة كبيرة في الطلب نتيجة الحرب، مؤكدًا أن انتقال الاستثمارات ليس مضمونًا بشكل كامل، وأن السوق يتأثر بعدة عوامل متداخلة، ومع ذلك يظل السوق المصري من أكثر الأسواق جذبًا للاستثمار العقاري في المنطقة، بفضل استقراره النسبي والمشروعات القومية الكبرى.
الفرص والمخاطر
تشير المعطيات الحالية إلى وجود توازن واضح بين الفرص والتحديات. فمن ناحية، يوفر العقار حماية فعالة ضد التضخم، ويحقق عوائد رأسمالية جيدة على المدى الطويل، مدعومًا بطلب حقيقي وتسهيلات في أنظمة السداد، كما تشهد المدن الجديدة، مثل العاصمة الإدارية ورأس الحكمة، نشاطًا ملحوظًا في التصدير العقاري.
ومن ناحية أخرى، يواجه القطاع تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ“الانكماش التضخمي”، حيث ترتفع الأسعار في ظل تراجع القدرة الشرائية. كما أن استمرار التوترات قد يؤثر على تدفقات الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، ويحد من السيولة في بعض الفترات.
رغم التحديات، لا يزال العقار في مصر يحتفظ بمكانته كملاذ آمن في عام 2026، بل تزداد أهميته في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحالية، إلا أن المشهد تغير، حيث أصبح الاستثمار العقاري يعتمد على الدراسة الدقيقة والاختيار الواعي، وليس مجرد التوجه التقليدي نحو الشراء.
وتكشف القراءة الجديدة لسلوك المستثمرين عن اتجاه واضح نحو الحذر والتركيز على المشروعات الجاهزة والمستدامة، مع الاهتمام بجودة التنفيذ وموثوقية المطور،وفي ظل عالم مليء بالتقلبات، يظل العقار المصري أحد أبرز الأدوات التي تجمع بين الحفاظ على القيمة وتحقيق النمو، شريطة اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة.