رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كارلو أورباني.. الطبيب الذي واجه "السارس" وأنقذ العالم قبل أن يسقط ضحيته

كارلو أورباني
كارلو أورباني

تحل اليوم ذكرى ميلاد الطبيب الإيطالي كارلو أورباني، أحد أبرز علماء الأمراض المعدية في العصر الحديث، والذي ارتبط اسمه باكتشاف متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس)، بعد أن كان أول من أطلق تحذيرات علمية دقيقة حول خطورة هذا المرض الغامض في بدايات ظهوره مطلع الألفية الثالثة، وقد شكلت جهوده نقطة تحول مهمة في التعامل الدولي مع الأوبئة التنفسية سريعة الانتشار.

ووفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، فقد نشأ أورباني في إيطاليا وتلقى تعليمه الطبي في بيئة أكاديمية قوية، ثم تخصص في مجال الأمراض المعدية والطفيليات، وهو التخصص الذي فتح أمامه أبواب العمل الميداني في مناطق مختلفة من العالم، حيث اكتسب خبرة عملية واسعة في التعامل مع الأمراض الوبائية، خاصة في الدول النامية التي كانت تواجه تحديات صحية معقدة.

رحلة الميدان

قبل انتقاله إلى العمل مع منظمة الصحة العالمية، عمل أورباني في مستشفيات إيطالية متخصصة، كما تعاون مع منظمات دولية إنسانية، ما منحه خبرة مباشرة في التعامل مع الحالات الحرجة والأمراض شديدة العدوى.

هذه الخلفية المهنية جعلته لاحقًا أحد أهم الخبراء الذين تم الاستعانة بهم في آسيا مع بداية ظهور حالات مرضية غير مفهومة في فيتنام وعدد من دول جنوب شرق آسيا.

ومع انتقاله إلى العمل مع منظمة الصحة العالمية، تولى أورباني مسؤولية متابعة الأمراض المعدية في فيتنام، وهناك بدأت رحلته الحقيقية مع ما سيُعرف لاحقًا باسم فيروس سارس، حيث تم استدعاؤه عام 2003 لفحص أولى الحالات المشتبه بها داخل أحد المستشفيات في العاصمة هانوي، وهو ما شكّل نقطة تحول في مسار تفشي المرض عالميًا.

اكتشاف الخطر

خلال فحصه للحالات الأولى، لاحظ أورباني أن المرض لا يتصرف كعدوى تنفسية تقليدية، بل يحمل خصائص تشير إلى كونه فيروسًا جديدًا شديد العدوى وسريع الانتقال بين البشر، وهو ما دفعه إلى إطلاق تحذيرات عاجلة للسلطات الصحية والمنظمات الدولية، محذرًا من أن الوضع قد يتطور إلى وباء عالمي إذا لم يتم التدخل السريع.

وبناءً على توصياته، تم اتخاذ إجراءات صحية غير مسبوقة في ذلك الوقت، شملت عزل المصابين بشكل صارم، وفرض استخدام معدات الوقاية الشخصية للعاملين في المجال الطبي، إلى جانب تشديد إجراءات الفحص في المطارات وتقليل حركة السفر الدولي، وهي الإجراءات التي ساهمت بشكل كبير في إبطاء انتشار المرض خلال مراحله الأولى.

ثمن المواجهة

ورغم الدور المحوري الذي لعبه أورباني في الكشف المبكر عن خطورة السارس، إلا أن العمل الميداني المباشر مع المرضى المصابين أدى إلى إصابته بالعدوى أثناء أداء مهامه الطبية، ومع تطور حالته الصحية بشكل سريع، جرى نقله إلى أحد المستشفيات في العاصمة التايلاندية بانكوك، حيث خضع للعلاج لعدة أسابيع قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بمضاعفات المرض.

وقد شكلت وفاته صدمة داخل الأوساط الطبية العالمية، خاصة أنه كان من أوائل العلماء الذين نبهوا إلى خطورة الفيروس، وساهموا بشكل مباشر في وضع استراتيجيات الحد من انتشاره، وهو ما جعل قصته واحدة من أبرز الأمثلة على تضحيات العاملين في المجال الصحي أثناء مواجهة الأوبئة.

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن الجهود التي بذلت خلال فترة تفشي السارس عام 2003، والتي كان أورباني أحد أبرز وجوهها العلمية، ساهمت في احتواء المرض خلال أشهر قليلة نسبيًا، رغم سرعته العالية في الانتشار ونسب خطورته، وهو ما اعتُبر نجاحًا مهمًا في إدارة الأزمات الوبائية على المستوى الدولي.

ولا يزال اسم كارلو أورباني حاضرًا في الأوساط الطبية حتى اليوم، باعتباره نموذجًا للطبيب الباحث الذي لم يكتفِ بالتشخيص أو العلاج، بل شارك في صياغة استجابة عالمية مبكرة أنقذت آلاف الأرواح، ليبقى مثالًا على التقاء العلم بالتضحية في مواجهة الأخطار الصحية الكبرى.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء