ملك حارب القهوة حتى الموت.. حكاية غوستاف الثالث ونهايته الدامية فى الأوبرا
تمر اليوم ذكرى رحيل ملك السويد غوستاف الثالث، الذى توفى فى مثل هذا اليوم 29 مارس عام 1792، بعد أيام من تعرضه لمحاولة اغتيال داخل دار الأوبرا الملكية فى ستوكهولم، فى واقعة جمعت بين السياسة والدراما، وارتبطت بشخصية مثيرة للجدل عرفت بقراراتها الغريبة، وعلى رأسها عداؤه الشديد لمشروب القهوة.
ملك غريب
تولى غوستاف الثالث الحكم عام 1771، وكان شخصية مختلفة عن كثير من ملوك عصره، إذ جمع بين حب السلطة والانغماس فى الفنون، فكان مولعًا بالمسرح والتمثيل وكتابة النصوص، كما اهتم بتصميم الأزياء والعروض الفنية، حتى أنه كان يشارك بنفسه فى بعض الأعمال المسرحية.
ولم يتوقف تأثيره عند ذلك، بل أسس مؤسسات ثقافية بارزة، من بينها الأكاديمية السويدية، التى أصبحت لاحقًا الجهة المانحة لجائزة نوبل فى الأدب، وهو ما يعكس اهتمامه الكبير بالثقافة رغم طموحاته السياسية الواسعة.
صراع السلطة
لم يكن الملك راضيًا بالدور المحدود الذى يفرضه عليه النظام السياسى فى بلاده، حيث كانت السلطة الفعلية فى يد البرلمان، لذلك قرر تغيير هذا الواقع بالقوة، فنفذ انقلابًا عام 1772، وأجبر البرلمان على إقرار دستور جديد يمنحه سلطات شبه مطلقة.
وبالفعل، نجح فى ترسيخ حكمه، وبدأ فى تنفيذ عدد من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية، كما اتخذ قرارات تهدف إلى تنظيم الدولة وتقوية قبضته عليها، إلا أن هذه السياسات أثارت غضب قطاعات واسعة من النبلاء، الذين رأوا فى خطواته تهديدًا مباشرًا لنفوذهم التقليدى.
حرب القهوة
ومن أغرب ما ارتبط باسم غوستاف الثالث موقفه الحاد من القهوة والشاى، إذ كان مقتنعًا بأنهما يسببان أضرارًا جسيمة للصحة، ففرض ضرائب مرتفعة على استهلاكهما، ثم قرر حظر القهوة بشكل كامل فى البلاد.
ولم يكتف بذلك، بل أجرى تجربة غريبة لإثبات وجهة نظره، حيث أمر بإجبار سجينين على شرب كميات كبيرة من القهوة والشاى يوميًا تحت إشراف طبيين، على أمل أن يثبت ذلك ضررهما، إلا أن النتائج جاءت عكس ما توقع، إذ عاش السجينان لسنوات طويلة دون أن يتأثرا بالشكل الذى كان يتوقعه الملك.
ليلة النهاية
فى مساء 16 مارس 1792، توجه الملك إلى دار الأوبرا الملكية فى ستوكهولم لحضور حفل تنكرى، رغم تحذيرات وصلته بشأن وجود مخطط لاغتياله. دخل القاعة مرتديًا قناعًا، وسط أجواء احتفالية صاخبة، قبل أن يقترب منه أحد الحضور المتنكرين، ويوجه إليه طلقة نارية من الخلف.
أصيب الملك إصابة بالغة، حيث استقرت الرصاصة فى جسده وتسببت فى جرح خطير، خاصة أنها كانت محشوة بمواد معدنية زادت من تعقيد حالته الصحية.
النهاية المؤلمة
نقل غوستاف الثالث إلى القصر الملكى لتلقى العلاج، وظل يعانى من مضاعفات الإصابة لمدة 13 يومًا، حيث تدهورت حالته تدريجيًا نتيجة التسمم والالتهابات، حتى فارق الحياة فى 29 مارس 1792، لتنتهى بذلك قصة ملك جمع بين الطموح السياسى والاهتمام بالفنون، وترك وراءه إرثًا معقدًا من القرارات المثيرة للجدل.
أما منفذ عملية الاغتيال، وهو ضابط سابق يُدعى ياكوف يوهان أنكارستروم، فقد تم القبض عليه ومحاكمته، قبل أن يعدم لاحقًا، لتبقى حادثة اغتيال الملك واحدة من أبرز الوقائع الدرامية فى تاريخ أوروبا، التى اختلطت فيها السياسة بالمسرح، وانتهت برصاصة أنهت حياة ملك لم يتوقع أن تكون نهايته بهذه الطريقة.