رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

هل سرق العلم الغربي روحانية رمضان؟

في عالمٍ يقدس "المادة" ويُلهّه "الجسد"، تحول الجوع فجأة من عقوبة أو عبادة إلى "منتج" عالمي يُباع في كتب التنمية الذاتية تحت مسمى الصيام المتقطع. لقد استيقظ العلم الحديث في مختبراته المجهزة بأحدث الأجهزة ليخبرنا بزهوٍ مذهل عمّا اكتشفه تحت مسمى "الأوتوفاجي" (Autophagy) أو التهام الخلايا لذاتها المتهالكة، وهي ذاتها الرحلة التي يخوضها جسد الصائم منذ أربعة عشر قرنًا بصمتٍ ويقين. إننا اليوم نشهد ظاهرةً غريبة؛ حيث يمارس الملايين حول العالم الجوع كـ "حمية غذائية"، وكأنهم يكتشفون القارة المفقودة، بينما كان هذا الجوع دومًا هو بوصلة الروح التي تشير نحو السماء. وهنا يبرز تساؤلٌ فكري عميق: هل سرقت الموضة الصحية الغربية روحانية رمضان حين جردتها من أبعادها الغيبية وحولتها إلى مجرد أرقامٍ على الميزان وساعاتٍ يحسبها تطبيقٌ ذكي في الهاتف؟

إن المقارنة بين الصيام المتقطع وصيام رمضان تكشف عن الهوة السحيقة بين "الحمية" و"العبادة". في الصيام المتقطع، الإنسان هو "السيد"؛ هو من يقرر متى يبدأ ومتى ينتهي بناءً على رغبته في تحسين صورته أمام المرآة أو خفض مستوى السكر في دمه. أما في رمضان، فالإنسان هو "العبد" الذي يسلم قياده لنداءٍ علوي، يصوم لأن هناك غايةً أسمى من البيولوجيا، ويُفطر لأن هناك وقتًا ضُبط بساعة الكون لا بساعة اليد. هذا التلاقي المذهل بين فوائد العلم الحديث وبين الفطرة الإيمانية يمكن أن يكون جسرًا رائعًا للحوار مع الآخر، حيث يجد غير المسلم في صيامنا "منطقًا" علميًا يطمئن إليه عقله، لكن التحدي يكمن في ألا ننزلق نحن، أصحاب الجوهر، إلى فخ "التبسيط"، فنحول شعيرتنا إلى مجرد طقسٍ صحي يهدف إلى "الديتوكس" (Detox) وتطهير السموم، غافلين عن تطهير الأرواح.

لقد نجح الغرب في "علمنة" الجوع، فصار الصيام ممارسةً عصرية يقوم بها مشاهير "سيليكون فالي" (Silicon Valley) لزيادة التركيز وتجديد الشباب، وهي نتائج حقيقية لا ينكرها أحد، لكنها تظل قشرةً خارجية لثمرةٍ عظيمة. إن رمضان ليس مجرد "نظام غذائي" لتنظيم الأنسولين، بل هو تمرينٌ على كسر "الصنم" القابع في الداخل؛ صنم الشهوة والاعتياد. حين يتحول الصيام إلى "موضة"، فإننا نخاطر بفقدان "الدفع الروحاني" الذي يجعل من الجوع لذة ومن العطش صلاة. إن الصائم الذي يحبس نفسه عن الطعام والشراب وهو يراقب السعرات الحرارية فقط، قد ينال جسدًا رشيقًا، لكنه قد يفقد تلك "الخفة" التي تجعل روحه تحلق في فضاءات التقوى. رمضان يضيف إلى العلم بُعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا يفتقده الصيام المتقطع؛ إنه يربط جوعك الشخصي بجوع الملايين حول الأرض، ويحول حرمانك الإرادي إلى طاقة تضامنٍ لا تُشترى بالمال.

إن استعادة روحانية الصيام في زمن "البيوهاكينج" (Biohacking) والصرعات الصحية تتطلب منا وعيًا حادًا بأننا لا نصوم لننحف، بل لنخفّ ونتحرر من ثقل الطين؛ فالعلم الحديث يقدم لنا "كيف" يعمل الجسد، لكن رمضان وحده هو الذي يمنحنا "المعنى" ويخبرنا لماذا نصوم. هذا التلاقي بين المختبر والمحراب يجب أن يزيدنا إيمانًا بأن هذا الجسد الذي وضعه الخالق تحت تصرفنا له لغةٌ لا يفهمها إلا من صمتت حواسه. إنها فرصة تاريخية لنعرض على العالم صيامًا شاملًا، لا يتوقف عند حدود المعدة، بل يمتد ليشمل صيام العين عن القبح، واللسان عن الزيف، والقلب عن الأنانية. الصيام المتقطع قد يعيد إليك شبابك البيولوجي، لكن رمضان وحده هو الذي يعيد إليك "إنسانيتك" المفقودة في زحام المادة، ويذكرك بأنك لست مجرد آلة بيولوجية تحتاج إلى صيانة، بل أنت كائنٌ نوراني يحتاج من وقتٍ لآخر أن يتحرر من قيود الطين ليتصل بمصدر النور.

فالعلمُ يرممُ طين الجسد بساعات الحرمان، بينما الإيمان يبعثُ النور في الروح بصدق الامتثال؛ ليبقى الفرقُ شاسعًا بين جوعٍ يروضُ المادة، وجوعٍ يحررُ الجوهر ويُهذب الوجدان.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء