رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الحروب التجارية قديمة قدم الأزل، فالحروب التجارية بدأت مع بدء الإنسان وممارسته التجارة حتى في عصور ما قبل التاريخ، وحتى وقتنا هذا، بل وحتى نهاية الحياة على الأرض، وغالبًا ما تنشأ الحروب التجارية من السياسات الحمائية، حيث تفرض الدول تعريفات جمركية أو حواجز تجارية أخرى ضد بعضها البعض.

 وتشمل الأمثلة البارزة في هذا الشأن الصراع الأنجلو-هولندي في القرن السابع عشر، الذي كان مدفوعًا بالمنافسة على طرق التجارة والسيطرة البحرية، وحروب الأفيون في القرن التاسع عشر بين بريطانيا والصين، التي أثارتها النزاعات حول اختلالات التجارة والتجارة غير القانونية للأفيون، وكذلك قانون التعريفات الجمركية سموت-هاولي لعام 1930، الذي تم سنه في الولايات المتحدة خلال فترة الكساد الكبير، حيث فُرضت تعريفات جمركية عالية على آلاف السلع المستوردة، مما أدى إلى تعريفات انتقامية وزيادة تفاقم الانكماش الاقتصادي العالمي. 

 

وأخيرًا، في عصرنا الحالي، الحرب التجارية الأحدث والمستمرة بين الولايات المتحدة والصين، التي بدأت في عام 2018، وتشمل تعريفات وحواجز تجارية على مجموعة واسعة من السلع، حيث تهدف كلتا الدولتين إلى حماية صناعاتهما المحلية ومعالجة قضايا مثل حماية الملكية الفكرية واختلالات التجارة. 

 

وفي الغالب ما تكون للحروب التجارية تأثيرات معقدة وبعيدة المدى على الاقتصادات العالمية، تؤثر على كل شيء من أسعار المستهلكين إلى العلاقات الدولية.

 

وتختلف الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة عما سبقها من حروب، كونها حول امتلاك التكنولوجيات البازغة والقدرة الصناعية الفائقة. وكما تم ذكره سلفًا، فالحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، التي بدأت منذ حوالي ستة أعوام وما زالت مستمرة حتى الآن، بل مرشحة للتصاعد بصورة لم يشهدها البشر من قبل، فهي صراع معقد ومتعدد الجوانب، كونها بدأت في الأصل كنزاع تجاري، لكنها تطورت بسرعة إلى معركة أوسع للسيادة التكنولوجية، أي بمنتهى البساطة معركة حول امتلاك أدوات العصر، وبالتالي صناعة الحاضر، والأهم صناعة المستقبل.

 

ويمكن تتبع أصول الصراع الأمريكي الصيني التجاري، حيث بدأت من وجود غضب طويل الأمد حول عدم التوازن التجاري وحقوق الملكية الفكرية، وكانت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة تتهم الصين بممارسات تجارية غير عادلة، بما في ذلك نقل التكنولوجيا بطرق ملتوية، وعدم الاعتداد بالملكية الفكرية للشركات الأمريكية، وكذا التعدي عليها، والدعم الحكومي للشركات الصينية. وكانت تلك القضايا محل خلاف لسنوات عديدة، ولكن الوضع تصاعد بشكل كبير في عام 2018.

في يناير 2018، بدأت الإدارة الأمريكية فرض رسوم جمركية وحواجز تجارية كبيرة على البضائع الصينية، وكان الهدف الأولي لهذا الإجراء هو تقليل العجز التجاري بين البلدين، مع الضغط على الصين لإجراء تغييرات أساسية في سياساتها الاقتصادية. واستهدف هذا الإجراء مجموعة واسعة من المنتجات الصينية، بما في ذلك الصلب، والألمنيوم، ومختلف السلع الاستهلاكية.

 

مع تقدم الوقت، أصبح واضحًا للعيان، وللشخص العادي قبل المتخصص، أن الصراع ليس فقط حول عدم التوازن التجاري، ولكن أيضًا حول الهيمنة التكنولوجية، حيث تنظر الولايات المتحدة إلى التقدم المذهل للصين في المجال التكنولوجي، وخاصة في مجالات مثل الأجيال الجديدة من شبكات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، باعتباره تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية والأمنية داخليًا وخارجيًا.

 

وكانت إحدى المحطات الرئيسية في تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، هي استهداف العملاق التكنولوجي الصيني "هواوي" في مايو 2019، حيث أضافت وزارة التجارة الأمريكية هواوي إلى قائمة الكيانات المحظورة، مما أدى فعليًا إلى منع الشركات الأمريكية من التعامل مع عملاق التكنولوجيا الصيني، الذي يمتلك تكنولوجيا الجيل الخامس من الاتصالات بفارق كبير عن الشركات الأمريكية العاملة في نفس المجال، دون ترخيص خاص. وقد تم تبرير هذا الإجراء على أساس حماية الأمن القومي الأمريكي، حيث اتهمت الحكومة الأمريكية أن معدات هواوي يمكن أن تُستخدم للتجسس من قبل الحكومة الصينية.

 

وفي رد فعل من الجانب الصيني، تبنت الصين تدابيرها الخاصة، بما في ذلك فرض رسوم جمركية على البضائع الأمريكية وقيود على تصدير المعادن النادرة، التي تمثل أساسًا لتصنيع المنتجات التكنولوجية عالية التقنية. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الحرب التجارية بين الجانبين معركة شديدة الوطيس، حيث فرض كلا الجانبين تدابير متزايدة الصرامة على الآخر.

وعندما تولى الرئيس بايدن المنصب في يناير 2021، كانت هناك بعض التكهنات بأنه قد يتبنى نهجًا مختلفًا للحرب التجارية. ومع ذلك، استمرت إدارة بايدن بشكل كبير في سياسات سلفها، محافظة على الرسوم الجمركية على البضائع الصينية، وتوسيع التحكم في التصدير على التقنيات البازغة والحساسة، مع التركيز على العمل مع الحلفاء لمواجهة تفوق الصين التكنولوجي والصناعي. وكذلك سعت الإدارة إلى بناء تحالفات مع دول أخرى لمعالجة القضايا مثل عدم حماية الملكية الفكرية وممارسات التجارة غير العادلة من جانب الصين، كطريقة لزيادة الضغط عليها، مع تعزيز النظام التجاري العالمي.

 

وهنا يوجد تساؤل: لماذا يوجد صراع على السيادة التكنولوجية في قلب الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة؟ والإجابة ببساطة هي أن كلا البلدين يدرك أن التفوق في التكنولوجيات الرئيسية، مثل الأجيال الجديدة من شبكات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وتكنولوجيا النقل واللوجستيات والتجارة الإلكترونية، سيكون العامل الحاسم لامتلاك القوة الاقتصادية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين. ففي الماضي القريب كانت الولايات المتحدة قائدًا عالميًا في هذه المجالات، لكن الصين استثمرت بكثافة لتكون الند للند، حيث بلغت الاستثمارات الصينية في البحوث والتطوير ما يقارب 550 مليار دولار سنويًا، بما جعل اقتصادها يتضاعف 17 مرة خلال الثلاثة عقود السابقة.

 

وتُعد الخطة الصينية "صنع في الصين 2025" جزءًا رئيسيًا من استراتيجيتها للانتقال من قاعدة تصنيع ذات تكلفة منخفضة إلى قوة تكنولوجية عظمى، والتي تم إطلاقها في 2015، وتهدف الخطة إلى تقليل اعتماد الصين على التكنولوجيا الأجنبية وتطوير قدراتها الخاصة في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والروبوتات، والفضاء، والتكنولوجيا الحيوية، وعلوم المواد، والتصنيع المتقدم. وكانت هذه الخطة محل قلق كبير لدى الولايات المتحدة، حيث ترى أنها تهديد لهيمنتها التكنولوجية.

فالجيل الخامس من الاتصالات هو ركن أساسي في الاقتصاد الرقمي الحديث، حيث يقدم سرعات اتصال فائقة، وقدرة على الاتصال بعدد هائل من الأجهزة في نفس الوقت. لذا يسعى كل من الولايات المتحدة والصين للقيادة في هذه التكنولوجيا الحاسمة. 

فقامت الشركات الأمريكية مثل كوالكوم وإنتل بتطوير هذه النوعية من تكنولوجيا الاتصالات، كما اتخذت الحكومة الأمريكية أيضًا تدابير لتأمين بيئة الجيل الخامس داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك حظر الشركات الصينية مثل هواوي، كما سبق ذكره، من المشاركة في السوق الأمريكي بسبب مخاوف أمنية. وفي الوقت ذاته، قامت الصين بخطوات كبيرة في اتجاه التفرد في مجال تكنولوجيا الجيل الخامس، حيث استمرت هواوي كأكثر الشركات تفوقًا في هذا المجال على مستوى العالم، على الرغم من فرض العقوبات الاقتصادية عليها من قبل الولايات المتحدة والعديد من حلفائها الغربيين، واستمرت في التوسع عالميًا، كما استثمرت الحكومة الصينية بشكل كبير في تطوير هذه التقنية كجزء من استراتيجيتها الأوسع لتصبح قوة تكنولوجية عالمية.

 

أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد سجلت شركات التكنولوجيا الرائدة الأمريكية مثل جوجل، ومايكروسوفت، وآي بي إم تقدمًا كبيرًا في هذا المضمار، كما أولت الحكومة الأمريكية أيضًا أولوية لتطوير هذه التقنية من خلال مبادرات وطنية، مع تخصيص مبالغ تصل إلى 500 مليار دولار خلال الأعوام الأربعة القادمة، كما أعلن ذلك الرئيس ترامب فور توليه المنصب كرئيس للولايات المتحدة للمرة الثانية في يناير 2025.

وعلى الجانب الصيني، فقد وضعت الصين أهدافًا طموحة لتصبح دولة رائدة في هذا المجال بحلول عام 2030، حيث استثمرت الحكومة الصينية بشكل كبير في بحوث وتطوير تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، وأصبحت شركات صينية مثل بايدو، وعلي بابا، وتنسينت في طليعة الابتكار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهنا علينا ألا ننسى شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة الصينية الصاعدة Deep Seek، التي ظهرت للعالم منذ أيام قليلة، وهزت عرش شركات التكنولوجيا الأمريكية في ظرف أيام، بما جعل عملاق الإلكترونيات الأمريكي NVIDIA يفقد ما يقارب 560 مليار دولار، أي ما يقارب الناتج القومي للسويد أو الناتج القومي لفنلندا والبرتغال مجتمعين. كما ترتبط استراتيجية الصين في الذكاء الاصطناعي أيضًا بجهودها لتحديث قواتها العسكرية، مما يثير مخاوف كثيرة حول طبيعة استخدام هذه التقنية في الحروب المستقبلية.

ونفس الأمر ينطبق على صناعة أشباه الموصلات، فطالما كانت الولايات المتحدة هي الدولة الرائدة في تصميم وتصنيع أشباه الموصلات، حيث تقود شركات مثل إنتل وNVIDIA وAMD. ومع ذلك، تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على سلاسل الإمداد العالمية، خاصة لتصنيع أشباه الموصلات، والتي تسيطر عليها شركات أغلبها في تايوان وكوريا الجنوبية. وفي الوقت ذاته، تعمل الصين على تقليل اعتمادها على أشباه الموصلات الأجنبية من خلال تطوير قدراتها الخاصة، حيث استثمرت الحكومة الصينية مليارات الدولارات في بحوث وتطوير هذه الصناعة، وأصبحت شركات صينية مثل SMIC (مجموعة صناعة أشباه الموصلات الدولية) من الشركات شديدة التقدم في هذا المجال. ومع ذلك، يشكل التحكم الأمريكي في تصدير تكنولوجيا أشباه الموصلات المتقدمة تحديات كبيرة لطموحات الصين وتحقيق طفرات كبيرة في هذا الشأن.

 

وفي النهاية، فالحرب التجارية بين الاقتصاد الأول في العالم، الولايات المتحدة، والاقتصاد الثاني، الصين، حول التكنولوجيا والصناعة، هي صراع معقد ومستمر له تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي. فما بدأ كنزاع تجاري تطور إلى صراع أوسع للسيادة التكنولوجية، حيث يتخذ كلا الجانبين تدابير متزايدة العدوانية لحماية مصالحهما، لأن كليهما يعرف يقينًا أن من يمتلك التكنولوجيا سيقود الاقتصاد العالمي، وبالتالي سيفرض الهيمنة على الجميع. ومع استمرار الصراع، سيكون من الضروري لكلا الطرفين العثور على طريقة لإدارة اختلافاتهما والعمل نحو علاقة أكثر استقرارًا وتعاونًا، لأن الكل سيكون خاسرًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء