اندهش الكثيرون على مستوى العالم، وخاصة في منطقتنا العربية، من شن أمريكا وإسرائيل حربًا على إيران. ما دفع البعض إلى ذلك هو الاعتبارات الإنسانية داخلهم. لم يتصوروا أن يبلغ السفه والجنون بقيادة الدولة العظمى في العالم أن يشن حربًا ضد مصالحه، وأن يتبع في ذلك مشورة رجل بنى كل تاريخه على القتل وسفك الدماء.
تصور البعض أن الولايات المتحدة الأمريكية، بعد كل هذا التقدم الذي حققته، وكل هذه المدة في التربع على قمة الهرم العالمي، أنها إله – حاشا وكلا – تحسب لكل شيء حسابه، وتضع الموازين التي تمنعها من الوقوع في الأخطاء. لماذا يتناسى الناس أن هذا البلد بُني على سفك الدماء وقتل الآخرين، إذ قتل من استوطن الولايات المتحدة أكثر من 100 مليون إنسان من سكان البلاد الأصليين، وأبدلوهم بمائة مليون أفريقي أو أكثر لصناعة نهضتهم المزعومة، وقتلوا وشردوا في جميع حروبهم على مستوى العالم التي بدأوها، ثم هُزموا فيها، فيما يقارب أكثر من 50 مليون إنسان آخرين.
إن إيهود باراك نفسه، رئيس وزراء دولة الاحتلال الأسبق، انتقد واشنطن مؤخرًا قائلًا إن الولايات المتحدة لم تنتصر في حرب كبرى منذ 60 عامًا؛ والصحيح أن الولايات المتحدة لم تنتصر في أي حرب دخلتها حتى الآن.
لماذا ينسى العالم جرائم دولة الاحتلال، وهي على مدار 8 عقود وأكثر تتوغل في دماء الفلسطينيين بلا رقيب أو حسيب، وليست دماء الفلسطينيين فقط، بل دماء اللبنانيين والسوريين والعراقيين والأردنيين، وبالطبع قبل كل ذلك، دماء المصريين الذين استطاعوا تحرير أرضهم لأنهم فهموا العدو وكيفية التعامل معه؟
إن المتتبع لتصريحات ترامب ونتنياهو لا يستطيع إلا أن يقول إن هذا تألّه؛ وصاحب التألّه يخرج عن كل الحسابات المنطقية والعقلية، ويدخل بقوة في نطاق الحسابات الخاطئة؛ فهو لا يقرأ التاريخ، ولا يدرس التجارب الإنسانية في الحروب، ويظن أنه قادر على تغيير السنن الإنسانية والكونية والربانية... فقط لأنه امتلك القوة.
يكفي أن نقول إن ترامب في حديثه عن مضيق هرمز قال إنه "مضيق ترامب"، وقال "إنه لا يرتكب الأخطاء". إن قول ترامب إنه لا يرغب في إشعال حروب لا يعني أنه لن يدخلها إذا تعارضت مصالحه الشخصية قبل مصالح بلاده الوطنية مع هذا المبدأ؛ فالرجل أكثر رؤساء الولايات المتحدة تكرارًا لمقولة "أنا"، وسيرته الذاتية بها عشرات الأمثلة التي تؤكد على تجذر التألّه داخله.
نتنياهو، الذي يسعى لأن يكون ملك إسرائيل المتوج والمؤسس الثاني لها، يستدعي من التاريخ ما يشبع رغبته في هذا التألّه أيضًا؛ فتارة يتذكر "أسبرطة"، تلك المدينة اليونانية الصغيرة التي استطاعت أن تكون قوة كبيرة في وقتها، وتارة يرجع إلى "جنكيزخان" ودمويته، معتبرًا أنه أقوى من "المسيح". لا يتذكر نتنياهو أن هذه القوى أُزيلت من على وجه الأرض، ولم تقم لها قائمة.
النظام الإيراني ليس خارج هذه الدائرة. ظن الخميني وتلاميذه أنهم قادرون على اللعب بالبيضة والحجر؛ فالخميني، الذي كان تحت أعين ورعاية أجهزة المخابرات الغربية في باريس، عندما حطت قدماه أرض بلاده، أعلن الحرب على أمريكا وإسرائيل في العلن، واستقبل منهم الأسلحة في السر، وعاث في المنطقة العربية فسادًا وإفسادًا – تلك التي كان هو وتلاميذه، ولا يزالون، يطلقون عليها "غرب آسيا" – وكأنها منطقة نفوذ طبيعية لهم منذ أيام الإمبراطورية الفارسية. الأدهى والأمر أنهم يرون أن تلك المنطقة أدنى وأقل شأنًا من بلادهم، وأنهم بنسختهم من الدين التي اصطنعوها – كتلك التي اصطنعها الإخوان ومن شابههم – يقنعون أنفسهم والآخرين بأنهم يريدون الإصلاح. كيف يأتي الإصلاح بسفك الدماء والخراب والتدمير؟
لا تنظروا إلى ما يقال عن انتهاك القانون الدولي على إيران، ولا شيطنة إيران من قبل إسرائيل وأمريكا وتحذيرهم بأن هذا النظام يطور أسلحة نووية لتدمير الكيان وتهديد العالم؛ فكل من طهران وتل أبيب ضباع شديدة الافتراس؛ اختلفا على حصة كل منهما من الفريسة، بعد أن كان الطرفان يتبادلان التهديدات، وهما في الواقع، كل منهما يقتطع جزءًا من الفريسة لصالحه، فيما كانت واشنطن الأسد الذي أخذ حصته قبل الطرفين. الآن سيُصاب الأسد الأمريكي العجوز بالجروح العميقة التي قد تجعله ينزوي إلى عرينه، أو تنتهي حياته كحاكم للغابة؛ أقصد العالم.