رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«علي أمين» أسرار البدايات وصناعة النجوم في مذكرات «عبده مباشر»|خاص

مصطفى وعلي أمين
مصطفى وعلي أمين

تكشف مذكرات الكاتب الصحفي الكبير عبده مباشر، الصادرة عن دار غراب بعنوان "أعطيت الكلمة عمري - 65 عامًا في بلاط صاحبة الجلالة، جانبًا إنسانيًا ومهنيًا بالغ الأهمية من كواليس العمل الصحفي في مصر خلال منتصف القرن العشرين، حيث لم تكن الطريق إلى بلاط صاحبة الجلالة مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بمحاولات شاقة، وانتظار طويل، واختبارات حقيقية للموهبة والصبر.

ومن بين هذه الشهادات اللافتة، يروي مباشر تجربته الشخصية في السعي للقاء مصطفى أمين، أحد أبرز رموز الصحافة، في مقابل نصيحة واضحة بتجنب شقيقه علي أمين، في دلالة تحمل الكثير من المعاني حول طبيعة الإدارة الصحفية آنذاك واختلاف الأساليب بين القامات الكبرى.

مذكرات عبده مباشر وحكاية علي ومصطفى أمين

وفي بداية مذكرات عبده مباشر يذكر اسم علي أمين ويقول: وأنا أبدأ دراستي الجامعية في منتصف خمسينيات القرن الماضي بحقوق الإسكندرية، قررت أن أطرق باب جريدة الجمهورية من أجل فرصة للتدريب، كانت الجريدة جديدة، وتوقعت أن تكون الفرص بها أفضل من جريدتي الأخبار والأهرام، وفعلًا صدق توقعي وبدأت مرحلة التدريب.. وفي نهاية العام أخبرني الأستاذ محسن محمد أن الإسكندرية “ضيقة عليك" كان قد تابع عملي وخلص إلى هذه النتيجة، ونصحني أن أسعى للقاء مصطفى أمين وبتجنب لقاء علي أمين، فسألته عمَّا إذا كان قادرًا على التدخل، فقال إنه سيسعى مثلي.

وبدأت رحلة محاولة اللقاء بمصطفى أمين، وقالت لي السكرتيرة الجميلة النشيطة الأنيقة زينب النحاس، إن مصطفى بك مشغول جدًا، وطلبت أن أَمُرَّ عليها بعد أسبوع، وتحوَّل الأسبوع إلى ما يقرب من عامين، وفي كل محاولة اسمع عذرًا مختلفًا.

وفي هذا الصباح، قالت إن مصطفى بك موجود ولكن مشغول، فخلعت الجاكيتة والحذاء وجلست متربعًا على المقعد المواجه لها، وقلت لها وأنا في انتظاره، وأكدت لها أنني لن أغادر مكتبها، فليست ورائي أي ارتباطات، وأوضحت لها أنني أحاول منذ عامين.

مذكرات عبده مباشر 
مذكرات عبده مباشر 

وفي سياق آخر ذكر عبده مباشر في كتابه المهم:  كان واضحًا أن عملية إطلاق النجوم التي يتولاها مصطفى أمين كانت تصب في النهاية لمصلحة أصحاب الدار، فالنجوم التي سطعت يتضاعف عدد قُرَّائهم، وهذا يعني زيادة نسبة التوزيع للصُحف والمجلات التي تعني زيادة نسبة الإعلانات، أي مزيد من الأرباح في النهاية.

ولكني أعتقد أن الأخوين أمين كان يساعدهما نجاح مدرسة أخبار اليوم وتفوق ما تصدره من صُحف ومجلات، وأهم نجاح هو بروز هذا العدد الكبير من التلاميذ الذين تصدروا الصفوف الأولى في عالم الصحافة.

ورغم أن اسمه ارتبط بالنجاح الكبير والتأثير الواسع، فإن حضوره في مذكرات بعض الصحفيين، مثل عبده مباشر، يكشف جانبًا آخر من شخصيته المهنية، حيث كان يُنظر إليه أحيانًا باعتباره أكثر صرامة أو أقل انفتاحًا على اللقاءات المباشرة مقارنة بشقيقه مصطفى أمين، الذي عُرف بدوره في اكتشاف المواهب وصناعة النجوم.

علاقة مصطفى أمين بهيكل 

ويتحدث "عبده مباشر" في مذكراته عن اهتمام "مصطفى أمين" بـ"هيكل"، فيقول: كان "مصطفى أمين" يرحب دائمًا باستقبال كل من يطلب اللقاء من الزملاء، وكان هدفه الرئيسي إطلاق النجوم في سماء الصحافة، ومن هنا دفع بهيكل إلى الصفوف الأولى بأن أتاح له فرص السفر للخارج لتغطية ومتابعة أحداث كُبرَى مثل اليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما قام به الجنرال ماك آرثر الأمريكي من تفكيكٍ للإمبراطورية ونزعتها العسكرية وبناء نظام ديمقراطي واقتصاد حُرٍّ، وفلسطين أثناء معركة 1948 وكوريا الجنوبية فيما بين عامي 1950 و1953 حين اندلعت الحرب بين الكوريتين وساندت الصين، كوريا الشمالية، في حين قاتل الأمريكيون؛ دفاعًا عن كوريا الجنوبية، والأمم المتحدة فيما بعد وهكذا.

أما أنيس منصور فقد أرسله الأخوان علي ومصطفى أمين ليطوف حول العالم وليكتب مئات التقارير ثم ليصدر كتابه الأكثر مبيعًا في ذلك الوقت "200 يوم حول العالم" وبعد عودته تمَّ تعيينه رئيسًا لتحرير مجلة "الجيل"، وكان قد تمَّ تعيين "هيكل" رئيسًا لتحرير مجلة "آخر ساعة" قبل أن يُتمَّ الثلاثين من عمره.

وفي هذه المذكرات تبين أن عملية إطلاق النجوم في سماء الصحافة مستمرة، فبعد جيل "هيكل" و"موسى صبري" و"أنيس منصور" و"أحمد زين"، بدأ الالتفات للجيل الثاني، وفي المقدمة منه" "صلاح جلال"، و"سعيد سُنبل".

وفي كتاب "عبده مباشر" إشارة لواقعتين تتصلان بهيكل؛ الأولى عندما أرسله مصطفى أمين لتغطية مؤتمر قمة عربي في مدينة بلودان السورية، ومن هناك أرسل هيكل مجموعة من الحوارات الصحفية مع الملوك والرؤساء، وأكَّد أنها انفرادًا، وهكذا تمَّ النشر مع الإشارة إلى نجاح الجريدة ومراسلها النشيط، وبعد ذلك تبيَّن مصطفى أمين بعد أن تورَّط في النشر أن هذه الأحاديث الصحفية ليست سوى الكلمات التي ألقاها الملوك والرؤساء في المؤتمر.. ويترقُّب مصطفى أمين عودة هيكل من سوريا لكي يفصله ويعاقبه، ويخرج هيكل مطرودًا، وعندما يعَلِم علي أمين يقرَّر إعادته إلى العمل، ولم يختلف مصطفى أمين مع توأمه.

فصل هيكل من أخبار اليوم

والواقعة الثانية، بعد تعيين هيكل نائبًا لرئيس تحرير "آخر ساعة" اجتمع المحررون ووقَّعوا على طلب لفصل هيكل؛ لأنهم يرفضون التعامل معه، ويُقرِّرُ مصطفى أمين الاستجابة لطلب المحررين، ويعود علي أمين من السفر ويُقرر عودة هيكل ثم يجتمع بالمحررين الذين وقَّعوا على طلب الفصل، ليُخبرهم أن الباب يفوِّت جَمل، وعلى من يريد أن يرحل أن يرحل، لأن هيكل باقٍ في موقعه.

وتأتي شهادة عبده مباشر لتسلط الضوء على الفروق الدقيقة بين الشقيقين، ليس فقط في أسلوب الإدارة، بل في فلسفة صناعة الصحفيين أنفسهم؛ حيث يشير إلى أن تجربة مصطفى أمين في “إطلاق النجوم” لم تكن مجرد مجد شخصي، بل كانت استراتيجية ناجحة عززت من انتشار المؤسسة وزادت من تأثيرها وأرباحها، وهو ما يؤكد أيضا أن مدرسة أخبار اليوم لم تكن مجرد مؤسسة صحفية، بل مصنعًا حقيقيًا للكوادر التي تصدرت المشهد الإعلامي لسنوات طويلة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء