رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

لم تعد الإعلانات مجرد وسيلة للترويج لمنتج أو خدمة، بل أصبحت أحد أبرز الأدوات المؤثرة في تشكيل الوعي والسلوك العام داخل المجتمع.

ومع هذا التأثير المتزايد، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في طبيعة المحتوى الإعلاني الذي يُبث عبر الشاشات، خاصة مع ما نشهده من تجاوزات تتنافى أحيانًا مع القيم والعادات الراسخة.

خلال الفترة الأخيرة، ظهرت نماذج إعلانية تثير الكثير من علامات الاستفهام، ليس فقط من حيث الفكرة أو التنفيذ، بل من حيث الرسائل الضمنية التي تحملها. فبعض هذه الإعلانات يقدم أنماطًا سلوكية غير منطقية أو مبالغًا فيها داخل الأسرة، كتصوير خلافات زوجية بطريقة سطحية أو ساخرة، قد تُفهم على نحو يرسخ مفاهيم مغلوطة حول العلاقات الإنسانية. مثل هذه المعالجات، وإن بدت خفيفة أو كوميدية، إلا أنها تساهم بشكل غير مباشر في إعادة تشكيل صورة الأسرة لدى المتلقي، خاصة فئة الشباب.

المشكلة لا تتوقف عند حدود المبالغة الدرامية، بل تمتد إلى محاولة تصدير أنماط ثقافية وسلوكية بعيدة عن طبيعة المجتمع، وهو ما يجعل الإعلان يتحول من أداة تسويق إلى وسيلة لإعادة تشكيل الهوية البصرية والقيمية. فالإعلانات، شأنها شأن الدراما، تمتلك قدرة هائلة على التأثير، وربما تفوقها في بعض الأحيان بسبب كثافة عرضها وتكرارها المستمر.

وقد شهدت السنوات الماضية موجة من الإعلانات التي أثارت جدلًا واسعًا، نتيجة ما حملته من رسائل اعتبرها كثيرون مسيئة وغير مناسبة.

هذا الجدل يعكس وعيًا متزايدًا لدى الجمهور، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن غياب آليات رقابية فعالة تضمن الحد الأدنى من الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية.

إن ترك الساحة الإعلانية دون ضوابط واضحة قد يؤدي إلى نتائج غير محمودة، خاصة مع التنافس الشديد بين الشركات، الذي يدفع بعضها إلى البحث عن الإثارة بأي ثمن.

وفي ظل هذا المناخ، تصبح الحاجة ملحة لتشكيل لجنة متخصصة تضع إطارًا حاكمًا للمحتوى الإعلاني، بحيث توازن بين حرية الإبداع والمسؤولية المجتمعية.

هذه اللجنة يجب ألا تكون مجرد جهة رقابية تقليدية، بل كيانًا واعيًا بطبيعة التطور الإعلامي، وقادرًا على قراءة التحولات الثقافية والاجتماعية، كما ينبغي أن تضم خبراء في الإعلام وعلم الاجتماع وعلم النفس، وعلماء في الدين، لضمان تقييم الإعلانات من مختلف الزوايا، وليس فقط من منظور تجاري، ووضع أسس وضوابط تحافظ على المجتمع.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تحميل المسؤولية كاملة للجهات الرقابية وحدها، إذ يقع على عاتق صناع الإعلان أنفسهم دور كبير في احترام عقل الجمهور ووعيه. فالإبداع الحقيقي لا يتعارض مع القيم، بل يستطيع أن يقدم محتوى جذابًا ومؤثرًا دون اللجوء إلى الإسفاف أو الإثارة الرخيصة.

في النهاية، تظل الإعلانات مرآة تعكس ملامح المجتمع، لكنها في الوقت نفسه أداة قادرة على إعادة تشكيل هذه الملامح، ومن هنا تأتي خطورتها وأهميتها في آن واحد. وإذا كنا نحرص على حماية هويتنا الثقافية والقيمية، فإن ضبط المشهد الإعلاني لم يعد رفاهية، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، حتى لا تتحول هذه الوسيلة المؤثرة إلى مصدر لتشويه الوعي بدلًا من تنميته.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء