رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أراضي دلتا النيل تختفي: 400 ألف فدان ضاعت في 9 سنوات.. خبير يكشف|خاص

تراجع الرقعة الزراعية
تراجع الرقعة الزراعية في محافظات دلتا النيل

قال الدكتور خالد فتحي سالم، أستاذ بيوتكنولوجيا المحاصيل، إن دلتا النيل تمثل حوالي 60% من إجمالي الأراضي الزراعية في مصر، على الرغم من أنها تغطي نحو 2.5% فقط من مساحة البلاد، وهذه المفارقة تبرز الأهمية الاستراتيجية لهذه البقعة الصغيرة، التي يعتمد عليها أكثر من 120 مليون مواطن في تأمين الغذاء.

وأضاف: "لكن خلال العقود الأخيرة، بدأت هذه المساحة الحيوية تتعرض لتآكل تدريجي، مدفوعا بعوامل بشرية وبيئية متشابكة، على رأسها التوسع العمراني والتغيرات المناخية."

تراجع الرقعة الزراعية في محافظات دلتا النيل.. أرقام مقلقة

أوضح الدكتور خالد فتحي سالم في تصريح خاص لـ “إيجبتك” أن التقديرات تشير إلى أن مصر تفقد سنويا ما بين 30 ألف إلى 50 ألف فدان من الأراضي الزراعية، جزء كبير منها في دلتا النيل، وخلال الفترة من 2011 إلى 2020 فقط، تم فقدان ما يزيد عن 400 ألف فدان نتيجة التعديات والبناء العشوائي.

وأشار إلى أن إجمالي المساحة المزروعة في مصر يبلغ نحو 9.7 مليون فدان، منها حوالي 6 ملايين فدان داخل الدلتا ووادي النيل، وقال: "أي خسارة في هذه المنطقة تمثل ضربة مباشرة للإنتاج الزراعي الوطني وتأثيرا على الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، ومن ثم الأمن الغذائي القومي."

وأكد أن استصلاح فدان واحد في الصحراء قد يكلف الدولة ما بين 200 ألف إلى 300 ألف جنيه، بينما فقدان فدان في الدلتا يحدث في لحظات بسبب البناء العشوائي، ما يعكس فجوة كبيرة بين الفقد والتعويض.

تراجع الرقعة الزراعية في محافظات دلتا النيل.. أرقام مقلقة
تراجع الرقعة الزراعية في محافظات دلتا النيل.. أرقام مقلقة

التوسع العمراني ونمو السكان

قال الدكتور سالم: "يبلغ عدد سكان مصر اليوم أكثر من 120 مليون نسمة، مقارنة بنحو 72 مليون نسمة عام 2006، أي زيادة تقارب 48 مليون نسمة خلال أقل من 20 عاما، هذه الزيادة الضخمة تفرض طلبا متزايدا على السكن والخدمات."

وأضاف: "نحو 1.5 مليون مبنى تم إنشاؤها خلال السنوات الأخيرة، نسبة كبيرة منها أقيمت على أراضٍ زراعية داخل الدلتا، مع استمرار الزحف الأفقي نتيجة غياب التوسع الرأسي الكافي. ويُستهلك ما يقارب 10 آلاف فدان سنويًا للبناء فقط في بعض التقديرات غير الرسمية."

المحافظات الأكثر تضررا

أوضح الدكتور سالم أن هناك تفاوتا في نسب الفقد بين محافظات الدلتا:

القليوبية: فقدت نحو 15% من أراضيها الزراعية بسبب قربها من القاهرة.

الشرقية: فقدت أكثر من 70 ألف فدان خلال سنوات قليلة.

المنوفية: شهدت تعديات على ما يقرب من 12% من أراضيها الزراعية.

كفر الشيخ: تراجعت المساحة الزراعية بنسبة تقارب 10%، إضافة إلى تملح نحو 30% من أراضيها الشمالية.

وقال: "هذه الأرقام تعكس واقعا صعبا، حيث تتزايد الضغوط على الأراضي الأكثر خصوبة، في الوقت الذي يصعب فيه تعويضها."

المياه والتغير المناخي

وأشار الدكتور سالم: "تعتمد مصر على نهر النيل بنسبة تصل إلى 97% من مواردها المائية، بحصة سنوية ثابتة تبلغ نحو 55.5 مليار متر مكعب، ومع زيادة عدد السكان، انخفض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 550 مترا مكعبا سنويا، أي أقل بكثير من حد الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب."

وأضاف: "ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 50 سم قد يؤدي إلى غمر ما بين 10% إلى 15% من أراضي شمال الدلتا، ما يهدد بفقدان مئات الآلاف من الأفدنة، كذلك، تعاني نحو 35% من أراضي الدلتا من درجات متفاوتة من التملح، ما يقلل من جودة التربة وإنتاجية المحاصيل."

الأمن الغذائي وفجوة الاستهلاك

قال الدكتور سالم: "تنتج مصر سنويًا نحو 9 ملايين طن من القمح، بينما يتجاوز الاستهلاك 18 مليون طن، أي فجوة غذائية تصل إلى 50% يتم تغطيتها بالاستيراد، وفي محاصيل أخرى مثل الذرة والزيوت النباتية، تصل نسبة الاستيراد إلى أكثر من 60%."

وأضاف: "مع استمرار تقلص الأراضي الزراعية، يُتوقع أن تزداد هذه الفجوة، وأي اضطرابات في الأسواق العالمية قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة تتراوح بين 20% إلى 40%، ما يضع ضغطا إضافيا على الاقتصاد والمواطن."

تراجع الرقعة الزراعية في محافظات دلتا النيل.. أرقام مقلقة
تراجع الرقعة الزراعية في محافظات دلتا النيل.. أرقام مقلقة

جهود الدولة لتعويض الفاقد

قال الدكتور سالم: "في مواجهة هذه التحديات، أطلقت الدولة عدة مشروعات قومية:

مشروع الدلتا الجديدة لاستصلاح أكثر من 2.2 مليون فدان.

مشروع توشكى لزراعة نحو 1 مليون فدان.

تطوير نظم الري في نحو 3.7 مليون فدان لتحسين كفاءة استخدام المياه بنسبة تصل إلى 20%.

حملات إزالة التعديات، حيث تم إزالة مئات الآلاف من المخالفات خلال السنوات الأخيرة."

وأشار: "رغم هذه الجهود، فإن التحدي لا يزال قائمًا، لأن معدل الفقد في بعض الأحيان يوازي أو يقترب من معدل الاستصلاح."

حلول ضرورية وفق أرقام دقيقة

اقترح الدكتور سالم مجموعة من الحلول:

تقليل استهلاك الأراضي للبناء بنسبة لا تقل عن 50% خلال السنوات القادمة.

زيادة إنتاجية الفدان الزراعي بنسبة 25% إلى 30% عبر التقنيات الحديثة.

التوسع في الزراعة المحمية (الصوب) التي يمكن أن تزيد الإنتاج بمعدل يصل إلى 3 أضعاف.

إنشاء مجتمعات عمرانية تستوعب نحو 20 مليون نسمة خارج الدلتا لتخفيف الضغط السكاني.

خفض فاقد المياه في الري بنسبة 15% إلى 20%.

الموجز النهائي

قال الدكتور خالد فتحي سالم: "تكشف الأرقام بوضوح أن دلتا النيل تواجه معركة حقيقية، ليس فقط للحفاظ على أراضيها، بل لضمان مستقبل الأمن الغذائي في مصر، فكل فدان يُفقد اليوم يعني زيادة في الاستيراد غدا، وضغطا أكبر على الموارد المحدودة."

وأضاف: "بينما تستثمر الدولة مليارات الجنيهات لاستصلاح الصحراء، تستمر خسارة الأراضي الخصبة في الدلتا بوتيرة مقلقة، ما يتم بناؤه في سنوات، قد يُفقد في أيام، إن الحفاظ على دلتا النيل لم يعد خيارا، بل ضرورة حتمية، تتطلب تضافر الجهود، وتغيير السلوكيات، وتطبيق القوانين بصرامة."

وختم حديثه قائلاً: "الأرض التي تُفقد لا تعود، لكن القرارات التي تُتخذ اليوم قد تنقذ ما تبقى منها للأجيال القادمة."

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء