هل تتحول الحرب السودانية إلى صراع إقليمي في شرق أفريقيا؟
في تطور لافت يعكس تحولات خطيرة في مسار الحرب السودانية، أعلن المسؤول المحلي عبد العاطي الفكي – محافظ الكرمك – دخول قوات تتبع قوات الدعم السريع إلى المدينة، مشيراً إلى وجود دعم لوجستي إثيوبي، في وقت نزحت فيه 433 أسرة نحو الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق. قد يبدو الخبر في ظاهره حدثاً ميدانياً محدوداً، لكنه في عمقه يكشف عن تحوّل نوعي هو انتقال الحرب في السودان من صراع داخلي إلى نقطة تماس إقليمي مفتوح.
من هامش جغرافي إلى مركز صراع
تقع الكرمك على الحدود المباشرة مع إثيوبيا، وهي مدينة صغيرة في الجغرافيا، لكنها كبيرة في المعادلة الاستراتيجية. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، حين استخدمها الجيش الشعبي لتحرير السودان كقاعدة خلفية للإمداد، ظلت الكرمك تمثل بوابة العبور بين الداخل السوداني والعمق الإثيوبي، ومركز ارتكاز عسكري في حرب العصابات، وخط تماس دائم بين الدولة والهامش المسلح، ومع كل جولة صراع، كانت المدينة تتحول إلى ميزان دقيق يحدد اتجاه الحرب تقدماً أو انكساراً.
ما يميز التطور الأخير ليس فقط دخول مليشيا قوات الدعم السريع والجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال لمدينة الكرمك، بل طبيعة الاتهام المصاحب له بدعم لوجستي من دولة مجاورة.
هنا تتغير قواعد اللعبة، وتتحول من حرب داخلية إلى اشتباك حدودي، فالحرب السودانية التي ظلت -رغم تعقيداتها- محكومة بإطار داخلي، بدأت تتخذ ملامح تدويل غير معلن، وتداخل مصالح إقليمية، وتحول الحدود إلى خطوط إمداد عسكرية، وهذا النمط ليس جديداً على الكرمك، بل يعيد إنتاج دورها التاريخي كـ"رئة خلفية" للحرب.
إثيوبيا… الحضور الصامت في معادلة النار
الحديث عن دعم لوجستي من إثيوبيا لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الواضح في توترات حدودية سابقة، وتعقيدات ملف سد النهضة، وهشاشة إقليم بني شنقول الإثيوبي المحاذي للنيل الأزرق. وفي هذا الإطار، تصبح الكرمك نقطة اختبار للعلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا، ومعبراً لتحولات قد تتجاوز الطرفين. فالتاريخ القريب المتصل بالنيل الأزرق وشرق السودان يثبت أن أي انخراط إثيوبي -مباشر أو غير مباشر - في النزاعات التي شهدتها المنطفة الحدودية سرعان ما يعيد تشكيل موازين القوى داخل السودان نفسه.
النزوح… المؤشر الأوضح على عمق الأزمة
نزوح مئات الأسر نحو الدمازين ألتي تأوي نازحين بسبب نزاعات وحروب سابقة، ليس مجرد رقم إنساني، بل مؤشر استراتيجي على فقدان السيطرة الأمنية في المناطق الحدودية، وتحول الكرمك إلى بيئة قتال مفتوح مع احتمال اتساع رقعة العمليات نحو الداخل خصوصا وسط وشرق السودان. وفي تجارب السودان السابقة، كان النزوح دائماً أول علامات تمدد الحرب… لا نهايتها.
كيف تتمدد الحرب؟
يجب قراءة حدث إنتقال الحرب إلى اقليم النيل الأزرق ضمن شبكة أوسع من العلاقات لفهم المسار المحتمل، وأهمها الحدود المفتوحة. فالسودان يجاور سبع دول، بحدود طويلة ومتشابكة اجتماعياً وقبلياً، ما يجعل أي صراع داخلي قابلاً للتمدد، أو للاختراق الخارجي. ثم دور التشابك الإثني، فالمجتمعات على جانبي الحدود مترابطة عرقياً وممتدة عائلياً، ما يجعل الحرب قابلة للتحول إلى صراع عابر للحدود.
والمناطق الحدودية -مثل الكرمك- تمثل مسارات تهريب وأسواق سلاح وهي أيضا مناجم مفتوحة لتعدين الذهب، وبالتالي تصبح جزءاً من اقتصاد إقليمي للصراع.
الممرات الاستراتيجية… حين يلتقي المحلي بالعالمي
في هذا السياق، تبرز أهمية الممرات البرية والبحرية بوصفها أحد أخطر أبعاد التحول الجاري. فالسودان لا يقع فقط على حدود رخوة، بل يمتلك منفذاً استراتيجياً على البحر الأحمر، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ويمثل حلقة وصل بين العمق الأفريقي وممرات الملاحة الدولية المرتبطة بـ مضيق باب المندب.
ومع انتقال الصراع إلى مناطق مثل الكرمك، فإن الخطر لا يقتصر على الداخل، بل يمتد عبر الممرات البرية التي تربط شرق السودان بإثيوبيا وجنوب السودان، لتتحول إلى خطوط إمداد عسكري وتدفقات غير مضبوطة للسلاح والمقاتلين.
وفي ظل التنافس الدولي المحتدم على الموانئ والنفوذ في البحر الأحمر، فإن أي انزلاق أمني في شرق السودان قد يعيد رسم خريطة السيطرة على هذه الممرات، ويحوّل البلاد من ساحة حرب داخلية إلى عقدة صراع لوجستي إقليمي ودولي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع ديناميات النزاع المحلي، ما يضاعف من خطورة المشهد ويعقّد مسارات احتوائه.
بين الواقع والرؤية
في هذا السياق المضطرب، يستدعى بعض الكُتاب السودانيين والأفارقة رؤية المفكر الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد، كصوت مضاد لمنطق الحرب، حين دعا إلى "فضاء إنساني بلا حدود… حيث يتحرك الإنسان من مقديشو إلى وادي حلفا دون خوف" هذه الرؤية، التي تقوم على وحدة المصير في القرن الأفريقي، تبدو اليوم في مفارقة حادة مع الواقع، حيث تتحول الحدود إلى جبهات قتال ويتحول الجوار إلى مصدر تهديد. إن هذه الرؤية نفسها على نحو مفارق تفسر الخطر، لأن ترابط المصير يعني أن الحرب لن تبقى محلية.
السيناريو الأخطر
إذا استمرت المؤشرات الحالية، فإن المسار المحتمل قد يتجه نحو حرب إقليمية تبدأ من شرق وجنوب شرق السودان، بتصاعد الاشتباكات في النيل الأزرق وتثبيت خطوط إمداد عبر الحدود كمرحلة أولى. ثم انخراط غير مباشر لدول الجوار عبر الدعم أو الاحتواء أو الرد في المرحلة الثانية. ثم المرحلة الثالثة تحول شرق السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح يمتد إلى القرن الأفريقي (إثيوبيا، إريتريا، جنوب السودان) وصولاً إلى مصر شمالاً. تحول الحرب إلى صراع إقليمي يعني للسودان تعقيد فرص السلام، وإطالة أمد الحرب، وتحوله إلى ساحة تنافس دولي، وهو ما يجعل أي تسوية داخلية رهينة لإرادات خارجية.
من الكرمك إلى البحر الأحمر… مسار مفتوح على المجهول
ما يحدث في الكرمك اليوم لم يعد مجرد تطور ميداني في أطراف السودان، بل بداية مسار جغرافي- استراتيجي قد يمتد شرقاً حتى البحر الأحمر، حيث تتقاطع خطوط التجارة العالمية مع خرائط النفوذ الدولي.
فإذا كانت الكرمك تمثل بوابة العبور البرية للصراع، فإن شرق السودان وسواحله يمثلان امتداده الطبيعي نحو واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم، المرتبطة بـ مضيق باب المندب.
في هذا الترابط، لا تعود الحرب شأناً داخلياً يمكن احتواؤه، بل تتحول إلى معادلة مفتوحة تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، والحدود بالاقتصاد، والميدان المحلي بالتوازنات الدولية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، أن مسار الصراع، إذا لم يُكبح، قد ينزلق من تخوم النيل الأزرق إلى سواحل البحر الأحمر، ومن نزاع على السلطة داخل الدولة إلى صراع على الممرات والسيادة الإقليمية.
فإذا كانت الحروب تبدأ من الهوامش، فإنها كثيراً ما تعيد رسم الخرائط. وبين واقع تتسع فيه نيران الصراع، ورؤية تدعو إلى وحدة المصير، وبين نقطة البداية في الكرمك ونقطة الامتداد على الساحل، يقف السودان أمام لحظة فارقة، إما أن ينجح في كسر هذا المسار قبل اكتماله، أو تنزلق المنطقة بأكملها إلى صراع إقليمي ويجد نفسه في قلب عاصفة إقليمية تتجاوز حدوده… وتُعاد فيها كتابة موقعه على خريطة العالم. إنها نٌذر صراع إقليمي يبدأ من شرق السودان … ولا أحد يعرف أين ينتهي.