بعد جنوح ترامب للمفاوضات.. هل تخوض إسرائيل الحرب منفردة؟
جاءت كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفتح باب للمفاوضات مع إيران ليخلط الأوراق بين وجهتي النظر الأمريكية والإسرائيلية في حرب إيران، وتدور التساؤلات حول ما إذا توصلت واشنطن لإتفاق مع طهران، هل تخوض تل أبيب الحرب منفردة.
تكلفة الحرب على الجانب الإسرائيلي

لا يمر الطريق الإسرائيلي في الحرب الحالية معبدًا حيث أظهرت الصور ولقطات الفيديو ما تكبده الجانب الصهيوني من خسائر بسبب الحرب الأخيرة، وحال قررت تل أبيب الحرب منفردة هل تستطيع تحمل أعباءها المالية.
كشف تقرير لصحيفة “كلكليست” الإسرائيلية الإقتصادية، أنه لا يوجد تقدير نهائي حتى الآن، لكن من الواضح أن التكلفة ستكون عشرات المليارات، والسؤال الوحيد هو ما إذا كانت أقرب إلى ٥٠ مليارًا أو ١٠٠ مليار (استنادًا إلى تكلفة الحرب السابقة مع إيران، والتي بلغت حوالي ٢٠ مليارًا لمدة ١٢ يومًا).
لسنوات طويلة، حظي قطاع الدفاع بالنصيب الأكبر من ميزانية الدولة، قبل الحرب، كان يحصل على 13% منها، وهو مبلغ ضخم لا مثيل له في الدول الغربية، أما الآن، فقد ارتفع إلى 21%، وتم تحويل 8% من الميزانية من جميع قطاعات حياة الإسرائيليين الأخرى إلى ميزانية الدفاع.
أهداف الحرب.. ما هو النصر الذي يريده نتنياهو

لا يمكن أن يغيب عن المعادلة مفهوم النصر الذي يريده نتنياهو من الحرب، والتخوف من عدم الوصول إليه، وفي هذا الصدد يلخص الدكتور موشيه إلشاناتي المؤرخ الإسرائيلي للعصر الحديث هذا التخوف قائلاً: “يومًا بعد يوم، يتزايد الخوف من أن يتحول زئير الأسد إلى مواء قط، لقد قتلنا، وقطعنا الرؤوس، ودمرنا، وقصفنا، وتسللنا - ومع ذلك لا يزال هؤلاء الشيعة الأوغاد صامدين (مما يثير استياء سكان الاستوديوهات المتعطشين للمعركة)، إنهم يقاتلون، ولا يوجد أي بصيص أمل في الاستسلام أو معجزة سماوية تلوح في الأفق تبشر بقدوم الخلاص”.
ويستكمل إلشاناتي حديثه قائلآ: "وحتى لو أعلن ذلك الأحمق من واشنطن -يقصد ترامب- ذلك الوغد ذو الشعر المصبوغ والمفضل لدى فئران الاستوديوهات في إسرائيل، بطريقته المخادعة "لقد انتصرنا!"، فسيكون نصرًا باهظ الثمن لا أكثر.
بينما يقول كبير المعلقين الاقتصاديين في قسم الأخبار بهيئة الإذاعة الإسرائيلية، شاؤول أمستردامسكي، أنه مع دراسة أهداف الحرب، وما إذا كانت قد تحققت، في الأسبوع الأول من أكتوبر ٢٠٢٣، حددت الحكومة أهداف الحرب على النحو التالي: تدمير البنية التحتية العسكرية والحكومية لحماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة؛ إعادة الرهائن، أحياءً وأمواتًا؛ إزالة خطر الإرهاب من قطاع غزة ومنع عودته؛ وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق أمن طويل الأمد، ولاحقًا، أُضيف ضمان عودة سكان الجنوب والشمال سالمين إلى ديارهم.
وأوضح أمستردامسكي في مقاله بصحيفة “كلكليست”، أنه يمكن اعتبار عودة الأسرى بمثابة نصف نجاح - فقد عادوا بالفعل، بعد أن عانوا من عذاب مروع لأسابيع وشهور وسنوات حتى عودتهم، وبعد أن قُتل بعضهم في الأسر، ولكن ماذا عن الأهداف الأخرى للحرب؟ حتى نصف نجاح لا يكفي، ومن السابق لأوانه الحديث عن الهدف النهائي، وهو تهيئة الظروف لتحقيق أمن طويل الأمد، لكن من الواضح أن حماس لم تُقضَ عليها، لا كمنظمة عسكرية ولا كبنية تحتية مدنية، وأن خطر الفصائل الفلسطينية من قطاع غزة لم يزل، في الأسابيع الأخيرة، وردت تقارير تفيد بعودة إنتاج الصواريخ هناك وحفر الأنفاق.
وتطرق كبير المعلقين الاقتصاديين إلى الوضع الحقيقي على الجبهة الإيرانية؟ هل حققنا أهداف الحروب هناك؟ لم تُعلن الحكومة قط عن أهداف حرب محددة، لا في الجولة السابقة ولا في الحالية، وبالنظر إلى خطاب النصر الذي ألقاه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد آخر مرة قضينا فيها على الإيرانيين في يونيو، يبدو أن الأهداف كانت القضاء على التهديد النووي والتهديد الصاروخي الباليستي - لأجيال قادمة، إن مجرد اندلاع الحرب الثانية على إيران في أقل من عام دليل قاطع على عدم تحقيق هذه الأهداف، وإذا كان إسقاط النظام هدفًا رسميًا، فإنه لم يتحقق حتى الآن أيضًا.
سيناريوهات الاستمرار في الحرب

بينما تحدث عدد من المعلقين الإسرائيليين عن سيناريوهات الاستمرار في الحرب مقابل توقيع اتفاق سلام، وضرب أمستردامسكي مثال باتفاق الاستسلام الياباني ومقدار الرخاء الذي جلبته هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية لليابانيين.
وعلى النقيض، مقدار المرارة التي عانى منها الأمريكيون المنتصرون جراء الحروب التي شنوها منذ ذلك الحين من كوريا، مرورًا بفيتنام، وصولًا إلى أفغانستان، ما بين فشل مدو طويل الأمد، يكفي أن نتذكر الجنرال ويستمورلاند، المولع بإحصاءات القتلى، الذي سار بثقة نحو هزيمة ساحقة على متن قاذفات بي-52 وقنابل الفوسفور، حتى فر جيشه مذعورًا.
هل يمكن أن يثور الإيرانيين تحت وطأة الضربات الإسرائيلية

بينما يفند محلل آخر هو سافر بلوكر المحلل الإقتصادي الإسرائيلي فكرة أن تقود الضربات الأمريكية الإسرائيلية الشعب الإيراني للثورة ضد النظام ومن ثم إسقاطه، مبينًا أنه لا يوجد سابقة لكسر معنويات الشعب عن طريق القصف الجوي وحده، كما يعلمنا التاريخ، لم ينجح هذا الأسلوب في ألمانيا النازية، ولعلنا نستطيع أن نتعلم من ذلك بالنسبة لإيران أيضاً.
ويصف بلوكر مشهد في فبراير 1945، عندما بدأت 900 قاذفة قنابل أمريكية عملاقة (القلعة الطائرة) برفقة 600 طائرة مقاتلة بإمطار أكثر من 2260 طنًا من المتفجرات على مركز برلين، حوّل القصف الهائل شوارع المدينة إلى ساحة حرب، لكنه، ولخيبة أمل قادة الأسراب الأمريكية، لم يدفع الجماهير أو يحشدها للثورة ضد النظام.
وأضاف المحلل الإقتصادي من بين أمور أخرى، تجوّل رجال قوات الأمن الخاصة ووحدات القمع الخاصة بين الحشود المذعورة، باحثين عن المتهربين والهاربين، وخاصة معارضي النظام، بل تعاون العديد من سكان برلين معهم، خاصة بعد محاولة اغتيال هتلر الفاشلة في أغسطس 1944، والتي أسفرت عن إعدام حوالي عشرة آلاف ألماني.