رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


يقول تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ ﴿٧١﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٧٢﴾ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٧٣﴾ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴿٧٥﴾ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴿٧٦﴾ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴿٧٧﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٧٨﴾ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿٧٩﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴿٨٠﴾ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿٨١﴾ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٨٣﴾) ص. 
سنجد من خلال هذه الآيات الكريمة أن إبليس: 
موقنٌ بوجود الله تعالى، تكلم معه سبحانه، فهو موقن بوجوده يقيناً كاملاً يعلو على يقين كل منا فنحن لم نتكلم معه سبحانه. 
موقنٌ بالله تعالى رباً معبوداً، فعندما تكلم معه سبحانه"قَالَ رَبِّ".

 


موقنٌ بالله تعالى مجيباً للدعاء، وموقنٌ بيوم الحساب، فقد دعاه أن يرزقه الحياة الممتدة إلى يوم القيامة "فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ "، واستجاب له رب العالمين.

 


موقنٌ باسم الله تعالى (العزيز)، فقد أقسم بعزته " قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" أي أنه موقن بأنه العزيز الذي لا يُغلب والذي لا يعجزه شيء، والمنيع الذي لا ينال ولا يغالب. 

 


موقنٌ بأن العبادة الحقة لله تعالى لا تكون إلا بالإخلاص، اخلاص العمل له سبحانه بلا اشراك لأهواء النفس ومصالحها ورغباتها، " قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ". 

 


كل هذا اليقين، لم يمنعه من معصية الله تعالى والإصرار عليها، وإلى أن يصفه الله تعالى بالكفر ويكون مصيره النار خالداً فيها. فكيف حدث هذا!!! ولماذا؟؟

 


إنه عدم اليقين بكل أسماء الله تعالى وصفاته، إنه هنا آمن بصفات الله تعالى الرب، المعبود، الموجود، المجيب الدعاء، العزيز... لكنه لم يوقن بأسمائه تعالى (العليم الحكيم)، فالعليم هو المحيط علماً بكل شيء، ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، فاتحته وعاقبته، وهو العالم والكاشف بكل شيء، العليم علماً لا علاقة له بعلمنا لا في صورته ولا في حقيقته. والحكيم، هو الذي يحكم الأمر، يضبطه، ويقضي فيه، وأمره نافذ فيه، وهو المدرك لدقائق الأمور، المتقن لها.

 


ما الذي يجب أن يترتب على الإيمان والتصديق بهذه الصفات لله تعالى؟، يترتب عليها الطاعة القائمة على اليقين بعلمه وحكمته، فهو يعلم العلم الكامل الذي لا نحوزه، فيقدر التقدير الحكيم، الكامل في صحته، وسلامته، ووقته وقدره.
ثم ما الذي يترتب على الشك في هذه الصفات؟ يترتب عليها الرفض لأوامره ونواهيه، فالشاك في أنه سبحانه العليم الحكيم، يرى أنه لا يعلم العلم الكافي لأن يقرر هذا الحكم أو ذلك، وأنه لا يملك الحكمة الكافية لأن يضع الأمور حيث يجب أن توضع، فمن يملك العلم والحكمة، إنه هو صاحب الشك في صفات الله تعالى، فيترك أحكام الله تعلى ويتخذ القرارات والأحكام بهواه فيهلك.

 


نعود لفعل إبليس، إنه اعتقد أن الله تعالى لم يُصب عندما طلب منه أن يسجد لمن اعتقد أنه أقل منه (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) اعتقد أنه أعلم من الله تعالى بمن هو الأفضل والأحسن، وأنه أقدر على ترتيب أوضاع الخلق، ومعرفة من يستحق ومن لا يستحق، وأنه هو الأعلى الذي يستحق وغيره لا يستحقون، لذلك رفض أمر الله تعالى. يقول تعالى: "قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴿٣٢﴾ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ" ﴿٣٣﴾ الحجر. " لَمْ أَكُن" يعنى منتهى الكبر أنه لا يجب ولا يكون أبداً أن يقول الله تعالى له اسجد لهذا البشر، إنه بهذا يقول لله هذا أمر غير وارد في حقي أصلاً، نعوذ بالله من هذا الكبر وهذا التألى على رب العالمين.

 


لهذا قال له رب العالمين: "قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ" ولعنة الله تعالى، وانتقل من خانة الإيمان إلى خانة الكفر. يقول تعالى: "إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾" ص. يألله وصفه الله تعالى بأنه من الكافرين رغم أنه مؤمن إيماناً يقينياً بوجود الله وبقدرته على إجابة الدعاء وبيوم الحساب وبعزته وقدرته. لكن نقله عدم يقينه ورفضه لأسماء الله تعالى العليم الحكيم من خانة كبار العُباد إلى خانة الكفرة الملعونين. 

 


بينما نرى بوضوح أن ما أعان الملائكة على العودة للتسليم بأمر الله تعالى في خلق سيدنا آدم وجعله خليفة في الأرض رغم تساؤلاتهم، إيمانهم بأنه سبحانه العليم الحكيم، (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ‎﴿٣٢﴾ البقرة. 

 


وفي مجتمعاتنا "الإسلامية" الكثير من الأمثلة التي نرى فيها الإيمان ببعض صفات الله والكفر بالبعض الآخر، إن هذا ما يفعله المسلم عندما يؤمن بوجود الله تعالى، ويدعوه ويقسم بعزته ويعبده، فيصلى ويصوم ويزكي ويحج ويعتمر.. ووو... لكنه لا يؤمن به عليماً حكيماً... فنراه يحقد على هذا، ويكره هذا... ويمنع حق هذا.. لأنه يرى أنه الأحق بعطاء الله تعالى، وأنه ليس من الصواب إعطاء هذا أو ذاك.

 


وهناك مثل خطير جداً موجود في كثير من المجتمعات المسلمة للأسف الشديد، ذكور العائلة الذين يرفضون اعطاء المرأة نصيبها من الميراث، يرون أن إعطاءها من مال أبيهم حُكمٌ من الله غير صائب، وأنهم الأحق بهذا الميراث لأنهم أفضل من المرأة التي ستورث مال العائلة لزوجها وأولادها الذين هم ليسوا من العائلة الملكية، وبالتالي فإن أمر الله تعالى بإعطاء المرأة نصيبها من الميراث ليس بأمرٍ حكيم، لهذا لن ننفذه، هؤلاء لم يزيدوا عن كونهم شياطين ولو صلوا وصاموا وحجوا واعتمروا وتصدقوا وادعوا الإيمان والتقوى.

 

 لقد آمنوا بالله تعالى معبوداً، لكنهم لم يؤمنوا به عليماً حكيماً في كل أوامره، لذلك تهربوا منها ورفضوا تحقيقها، فهؤلاء هم شياطين الإنس، لذلك قال فيهم سبحانه بعد آيات نظام المواريث الذى أقره بسورة النساء: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٣﴾ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿١٤﴾ " الحديث في هذه الآيات الكريمة موجه للمسلمين، فهم بالطبع المنوط بهم تنفيذ أحكام الميراث التي أنزلها رب العالمين في سورة النساء، لذلك احتار العلماء في تفسير آية الخلود في النار الموجه للمسلمين، وقالوا كيف سيخلد في النار مسلم ؟؟  الإجابة: لأن من يرفض تنفيذ أحكام الله تعالى فيما أمر به من أحكام الميراث، إيمانه إيمان شيطاني، إيمانٌ يخلده في النار، إنه آمن بالله رباً معبوداً، وكفر به عليماً حكيماً، إن معصيته لله ورسوله في تنفيذ آيات المواريث، تماماً مثل معصية إبليس التي أدت إلي خلوده في النار، لماذا؟ لأن معصية هذا المسلم هى الكُفر ببعض أسمائه وصفاته، كفره بأنه العليم الحكيم، لقد امتنع عن تحقيق ما فرضه الله تعالى من فروض في الميراث، لسبب وحيد، لأنه يرى أنه لم يكن لله تعالى أن يحكم بهذا، بل كان يجب أن يحكم بأن يؤول المال كله إليه لأنه الأفضل، إنه رفضٌ نابعٌ من الكبر والاعتقاد بأنه هو الأعلم والأحكم والأحق بإصدار الأحكام كما فعل الشيطان فطرده الله تعالى من رحمته، يقول تعالى: "قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ‎﴿١٣﴾" الأعراف.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء