مكتبة الإسكندرية تطلق "اليوم السنوي للتراث القبطي" في نسخته الـ11
افتتح الأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، فعاليات "اليوم السنوي للتراث القبطي" في نسخته الحادية عشرة، والذي ينظمه مركز الدراسات القبطية بقطاع البحث الأكاديمي بالمكتبة، بالتعاون مع مركز الطفل للحضارة والإبداع بحي مصر الجديدة، تحت عنوان: "العمارة القبطية، بين تجسيد الإيمان والشخصية المصرية".
انطلاق فعاليات "التراث القبطي" بالإسكندرية تحت شعار العمارة والإيمان
شهد الافتتاح حضور نيافة الأنبا مقار، أسقف الشرقية والعاشر من رمضان للأقباط الأرثوذكس، والأب الدكتور أوغسطينوس موريس، راعي كنيسة العائلة المقدسة للأقباط الكاثوليك بالزيتون، والأب الربان فيلبس عيسى، راعي كنيسة السريان الأرثوذكس في مصر، إلى جانب نخبة من المهتمين والدارسين والباحثين، من بينهم أعضاء مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية، الذي يشرف عليه الدكتور لؤي سعيد.
وأكد الدكتور أحمد زايد أن مكتبة الإسكندرية، منذ نشأتها وحتى اليوم، تتبنى قضايا حماية التراث وتوثيقه والحفاظ عليه ونشره عبر مختلف مراحله التاريخية، مشيرًا إلى أن التراث القبطي ظل دائمًا في قلب اهتماماتها، باعتباره أحد أهم الأعمدة المكونة للشخصية المصرية عبر العصور.
وأوضح أن العمارة القبطية تمثل أحد أبرز العناصر الحية لهذا التراث، حيث استمرت منذ دخول المسيحية إلى مصر في القرن الأول الميلادي، كما تعكس عمق إيمان الإنسان المصري المسيحي، وتُعد مخزونًا حضاريًا وروحيًا وفنيًا هائلًا، ومصدر فخر لكل المصريين.
وشدد زايد على أهمية المؤتمر في إلقاء الضوء على العمارة القبطية، ليس فقط لتقديمها للعالم باعتبارها من أعظم منجزات الحضارة المصرية، ولكن أيضًا لتعريف المصريين أنفسهم بها. وعقب الافتتاح، تفقد معرضي الأيقونات القبطية ومشغولات الحرف اليدوية، المقامين على هامش الفعاليات.
من جانبه، أكد الأنبا مقار أن العمارة القبطية تأثرت بالحضارات المتعاقبة، حيث أضفى الأقباط على المدارس البيزنطية والرومانية طابعًا دينيًا مصريًا مميزًا، يلبي الاحتياجات الروحية والنفسية عبر طقوس تؤثر في الحواس وتلامس الروح.
وأشار إلى أن النمط السائد في الكنائس القبطية حتى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كان يعتمد على القباب التي تغطي الفناء، وهو نمط معروف في مصر منذ العصر الفرعوني، وانتشر لاحقًا في الحضارات اليونانية والغربية.
وأضاف أن تتبع تاريخ الكنائس القبطية يكشف مسار خروج المسيحية من السراديب والكهوف إلى النور، موضحًا أن العمارة القبطية نتاج عاملين رئيسيين: عامل ديني مستمد من الطقوس الأرثوذكسية، وعامل بيئي مرتبط بالسياق المصري. وقد حدد العامل الأول الجوانب المعنوية للتصميم، بينما انعكس الثاني على الشكل ومواد البناء.
كما أشار إلى أن القرن العشرين شهد تأثر تصميم الكنائس بعوامل متعددة، منها التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وظهور مواد وأساليب بناء حديثة، والانفتاح على الثقافات الأخرى، مؤكدًا أن العمارة الكنسية القبطية احتفظت بطابعها الروحي العميق، الذي انعكس على تصميم الكنائس داخل مصر وخارجها.
بدوره، تناول الأب الدكتور أوغسطينوس موريس الفن المعماري القبطي باعتباره وليد البيئة والمناخ المصري، وهو ما انعكس على تصميم الكنائس والأديرة بما يتناسب مع طبيعة المناخ الصحراوي. ووصف العمارة القبطية بأنها "عمارة الفقراء"، التي اعتمدت على الخامات البسيطة، مشيرًا إلى تأثرها بالعمارة الفرعونية، التي مهدت لتلقي الرسالة المسيحية.
وأكد أن الفن القبطي في جوهره فن تعبدي يساعد على الخشوع، ويتأثر ويؤثر في الحضارات المختلفة، مستشهدًا بمسجد أحمد بن طولون، الذي بناه المعماري القبطي سعيد بن كاتب الفرغاني، والذي تأثر في تصميمه بعمارة الكنائس من حيث توزيع الأعمدة وتقسيم الفراغات والأسقف الخشبية.
من جانبه، أوضح الأب الربان فيلبس عيسى أن السريان تميزوا في فنون التصوير والنقش والزخرفة، ما انعكس على براعتهم في العمارة وهندسة البناء، مشيرًا إلى أن الجداريات السريانية تُعد من أبرز الفنون المسيحية التاريخية، خاصة في كنائس وأديرة سوريا والعراق ومصر، ومنها دير السريان بوادي النطرون.
وأضاف أن هذه الجداريات، التي تعود إلى القرون الوسطى، تتميز بأسلوب يمزج بين التقاليد السريانية والقبطية، وتصور مشاهد دينية وقديسين بأسلوب الفريسكو، مؤكدًا أنها تمثل وثيقة تاريخية وفنية تعكس ثراء التراث الروحي السرياني وتأثيره في المنطقة.
وعقب الجلسة الافتتاحية، تم تنظيم ثلاث جلسات، منها جلستان بحثيتان شملتا تسع أوراق علمية قدمها أساتذة وخبراء في العمارة القبطية، إلى جانب جلسة ختامية. كما شهدت الفعاليات عرضًا فنيًا لكورال "لنا رجاء" من كنيسة العائلة المقدسة بالزيتون، قدم خلاله مجموعة من الترانيم القبطية، منها "بارك بلادي"، بالإضافة إلى تواشيح إسلامية، منها "مولاي" للنقشبندي.