رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سعد ونوس المسرحي الذي جعل من الخشبة مرآة وصرخة ضد الصمت والخذلان

سعد ونوس
سعد ونوس

في مثل هذا اليوم 27 مارس عام 1941 ولد المسرحي السوري سعد الله ونوس في قرية حصين البحر قرب مدينة طرطوس، ليبدأ معه واحد من أهم المسارات المسرحية في العالم العربي خلال القرن العشرين.

لم يكن ميلاده حدثًا عاديًا في سيرة أدبية فقط، بل كان بداية لتكوّن وعي مختلف سيعيد تعريف علاقة المسرح بالسياسة والمجتمع والإنسان، حيث نشأ ونوس في بيئة بسيطة قاسية نسبيًا، تركت أثرًا واضحًا في تكوينه النفسي والفكري منذ سنواته الأولى.

منذ الطفولة المبكرة، كان إحساسه بالعالم من حوله يتشكل بطريقة مختلفة، حيث لم يكن الفقرمجرد ظرف اجتماعي، بل تجربة إنسانية كاملة دفعته إلى طرح أسئلة مبكرة عن العدالة والحرمان والمصير، ومع مرور السنوات، بدأ هذا الوعي يتسع تدريجيًا، ليصبح أساسًا لفكر مسرحي لاحقًا يقوم على مساءلة الواقع لا الاكتفاء برصده.

طفولة قاسية

عاش سعد الله ونوس طفولة بسيطة داخل أسرة محدودة الدخل، وهو ما جعله يقترب مبكرًا من فكرة المعاناة اليومية التي يعيشها الإنسان العادي.

هذه الظروف لم تكسره، بل صنعت بداخله حالة من التأمل العميق في معنى الحياة، وجعلته أكثر ارتباطًا بالناس البسطاء وقضاياهم، وهو ما سيظهر لاحقًا في أعماله المسرحية التي حملت دائمًا صوت المهمشين والمقهورين.

في المدرسة، لم يكن التفوق الدراسي هو البداية المميزة له، لكنه وجد في القراءة ملاذًا حقيقيًا، حيث بدأ يكتشف عوالم الأدب والفكر تدريجيًا، وكانت هذه المرحلة بمثابة البوابة الأولى نحو تشكيل وعيه الثقافي، الذي اتسع لاحقًا ليشمل تيارات فكرية وأدبية متعددة.

تكوين ثقافي

مع تقدم عمره، بدأ سعد الله ونوس في بناء مشروعه الثقافي عبر القراءة المكثفة والاطلاع على الأدب العربي والعالمي، حيث تأثر بأسماء كبيرة في الأدب والفكر، وبدأ في تكوين رؤية خاصة حول دور الفن في المجتمع.

هذا التكوين الثقافي العميق جعله يتجه مبكرًا إلى المسرح باعتباره الشكل الفني الأقرب إلى قضاياه، خاصة أنه يسمح بالحوار المباشر مع الجمهور، ويحول الفكرة إلى مواجهة حية بين النص والمتلقي، وهو ما سيصبح لاحقًا أحد أهم سمات تجربته المسرحية.

انطلاقة مسرحية

مع بداية الستينيات، بدأت ملامح سعد الله ونوس المسرحية تتشكل بشكل واضح، حيث نشر أولى نصوصه التي حملت منذ البداية طابعًا مختلفًا يجمع بين الحس السياسي والبعد الإنساني، لم تكن كتاباته مجرد حكايات على خشبة المسرح، بل كانت محاولات جادة لفتح أسئلة حول السلطة والمجتمع والوعي والحرية.

ومع الوقت، بدأ اسمه يفرض نفسه داخل المشهد الثقافي العربي كأحد أبرز الأصوات المسرحية التي تحاول كسر النمط التقليدي في الكتابة المسرحية، والاقتراب من الواقع العربي بكل تعقيداته السياسية والاجتماعية.

هزيمة مفصلية

شكلت نكسة 1967 نقطة تحول حاسمة في مسار سعد الله ونوس الفكري والإبداعي، حيث انعكست الهزيمة على كتاباته بشكل عميق، ودفعته إلى إعادة التفكير في دور المسرح والفنان داخل المجتمع، لم يتعامل مع الحدث كصدمة سياسية فقط، بل كأزمة وعي شاملة تتطلب إعادة قراءة الواقع من جديد.

في هذه المرحلة، أصبحت أعماله أكثر عمقًا وجرأة، واتجه إلى المسرح كوسيلة للمساءلة وليس للتوصيف، فبدأ يطرح أسئلة أكثر حدة حول السلطة والهزيمة والمسؤولية الفردية والجماعية، وهو ما منح أعماله بعدًا فلسفيًا وإنسانيًا لافتًا.

مسرح التغيير

استطاع سعد الله ونوس أن يؤسس لمفهوم مختلف للمسرح العربي، حيث لم يعد النص عنده مجرد بناء فني، بل أداة للتفكير النقدي وإعادة تشكيل الوعي، كان يؤمن بأن المسرح الحقيقي هو الذي يضع الجمهور أمام أسئلة صعبة، ويجبره على التفكير في واقعه بدل الهروب منه.

هذا الاتجاه جعله أحد أبرز المجددين في المسرح العربي، حيث مزج بين السياسة والفلسفة والتاريخ في صياغة مسرحية فريدة، جعلت أعماله تُدرس وتُناقش حتى اليوم في العديد من الأوساط الأكاديمية والفنية.

مواجهة المرض

في سنواته الأخيرة، واجه سعد الله ونوس مرض السرطان بشجاعة كبيرة، لكنه لم يتوقف عن الكتابة أو التفكير في المسرح، بل على العكس، زادت تجربته مع المرض من عمق رؤيته الإنسانية، وأصبحت نصوصه في هذه المرحلة أكثر تأملًا في معنى الحياة والموت والوجود.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء