رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ "باستيت": لماذا رفضت أوروبا دعوة "ترامب" لفتح مضيق "هرمز"؟

أرشيفية
أرشيفية

تحدثنا نظرية "البجعة السوداء" في العلاقات الدولية عن أن الأحداث الأكثر تأثيراً هي تلك التي لا يتوقعها أحد، وتأتي لتهدم اليقين المستقر منذ عقود. بهذه الكلمات يمكن النظر إلى مجيء "دونالد ترامب" على أنه "البجعة السوداء" التي حلت على العالم، كي تضرب كافة الأسس التي ارتكز عليها النظام الدولي منذ عقود طويلة.

 

كانت العلاقات عبر الأطلسي الراسخة منذ الحرب العالمية الثانية من بين أبرز هذه الأسس التي تشهد نزيفاً، بدأ منذ تولي "ترامب" فترته الرئاسية الأولى، ولم يستقر بعد حتى الآن، بل يتجدد يومًا بعد آخر، وتقريباً مع كل خطاب يتلوه "ترامب". كان آخرها في الأيام القليلة الماضية، عندما طلب من حلفائه في "آسيا" و"الناتو" وجوب التدخل في الحرب، باستخدام لغته التي عهدناها، والتي لم تخلُ من التهديد، حيث قال: "على دول "الناتو" و"اليابان" و"كوريا الجنوبية" و"الصين" أن تنهض الآن بإرسال سفن وقوات فوراً لحماية مضيق "هرمز"، وتأمين النفط الذي يستهلكونه هم أكثر مما نستهلكه نحن".

 

كما أضاف: "إذا لم يقف حلفاؤنا معنا في هذه اللحظة الحرجة لتأمين ممرات التجارة العالمية، فسوف يتعين علينا إعادة تقييم جدوى وجودنا في هذه التحالفات، التي تعمل في اتجاه واحد فقط".

 

هذه الكلمات التي وصفها عدد من الصحف الأوروبية بأنها "ابتزاز استراتيجي"، ثم جاء بعد ذلك موقف الحكومات الأوروبية رافضاً الانجرار إلى هذه الحرب، ليعكس حالة التوتر التي وصلت إليها العلاقة بين الحلفاء التاريخيين.

 

الحلفاء الأوروبيون يرفضون الانضمام إلى الحرب

 

منذ اللحظة الأولى لبداية الحرب لم يُبدِ "الناتو" أي نية للانضمام إلى جانب الحليف الأمريكي. ففي أوائل مارس الجاري، وبعد وقت قصير من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على "إيران"، أوضح الأمين العام لحلف "الناتو" "مارك روته" أنه: "لا توجد أي خطط على الإطلاق لانخراط "الناتو" في هذا النزاع أو انضمامه إليه".

 

من الواضح أن "ترامب" كان على يقين من إمكانية حسم هذا الصراع في وقت قصير، دون الحاجة إلى مساعدة الحلفاء، لذا لم يسعَ إلى التنسيق معهم قبل بداية الحرب. لكن يبدو أن الرد الإيراني فاق توقعاته، ما دفعه إلى الاستغاثة بـ"الناتو"، بل حتى "الصين".

 

في المقابل، اتسم الموقف الأوروبي بالرفض القاطع لطلبات "ترامب"، على الرغم من تهديده: "أن في حال لم ينضم "الناتو" إلى جانب "واشنطن" لفتح المضيق سيواجه "الناتو" مستقبلاً سيئاً للغاية"(١)، حيث أكد رؤساء دول وحكومات "الناتو"، مثل "بريطانيا" و"ألمانيا" و"فرنسا"، أنها لن تشارك في الحرب ضد "إيران".

 

في هذا السياق صرح المستشار الألماني "فريدريش ميرتس": "أن حلف شمال الأطلسي هو تحالف للدفاع عن أراضي الدول الأعضاء، كما هو منصوص عليه في معاهدة شمال الأطلسي المؤرخة في ٤ أبريل عام ١٩٤٩، ولا يوجد صلاحية لنشر قوات الحلف في الوضع الراهن". في هذا الإطار تساءل وزير الدفاع الألماني "بوريس بيستوريوس": "ماذا يتوقع "ترامب"؟ هل تحقق حفنة أو حفنتان من الفرقاطات الأوروبية في مضيق "هرمز" ما لا تستطيع البحرية الأمريكية القوية الموجودة هناك تحقيقه بمفردها؟"، وأضاف: "هذه ليست حربنا، ونحن لم نبدأها".

 

كذلك كان الرد البريطاني مشابهاً لنظيره الألماني، حيث صرح رئيس الوزراء "كير ستارمر" خلال مؤتمر صحافي: "إن "المملكة المتحدة" لن تنجر إلى حرب أوسع، وتريد أن ينتهي النزاع في أسرع وقت ممكن". كما أضاف: "نعمل مع جميع حلفائنا، بمن فيهم شركاؤنا الأوروبيون، لوضع خطة جماعية قابلة للتنفيذ تعيد حرية الملاحة في المنطقة بأسرع وقت ممكن وتخفف من الآثار الاقتصادية"، لكنه شدد على أن هذه المهمة لن تكون داخل إطار "الناتو".

 

بينما صرح الرئيس الفرنسي "ماكرون": "لن نشارك في فتح المضيق في السياق الحالي؛ لأننا لسنا طرفًا في هذا الصراع"، لكنه اقترح إنشاء نظام مرافقة دولي للسفن (Escort System) بالتعاون مع شركاء مثل "الهند" ودول أوروبية، لكن بشرط أن يبدأ ذلك فقط بعد تهدئة الأوضاع وتوقف القصف المتبادل".(٢)

 

هل يمكن تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف "شمال الأطلسي" في سياق الحرب ضد "إيران"؟

 

تنص المادة الخامسة من ميثاق "الناتو" على مبدأ الدفاع الجماعي، ومفاده أن أي هجوم مسلح ضد دولة عضو يُعد هجوماً ضد جميع الأعضاء، ما يستدعي ردًا مشتركًا قد يشمل استخدام القوة العسكرية. هذا البند لم يتم تاريخياً تفعيله إلا عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حيث أن تفعيله يستلزم وجود اعتداء مباشر على أراضي أحد الأعضاء.

 

في هذا السياق يرى الأوروبيون أن شروط تطبيق المادة الخامسة من الميثاق غير متوفرة في الحالة الإيرانية، حيث أن "طهران" لم تقم بالهجوم على دولة عضو في "الناتو"، فتبرير "واشنطن" و"تل أبيب" لشن هذه الحرب تم وصفه من جانبهم على أنه "ضربة استباقية"، بينما المادة صُممت كآلية دفاعية في مواجهة اعتداءات قائمة.

 

إضافة إلى ذلك، فإنه في حال تفعيل المادة الخامسة ضد "إيران"، فهذا يُعتبر توسعًا في تفسيرها، قد يدفع إلى تكرار استخدامها مستقبلاً خارج إطارها الأساسي، ما يؤدي إلى تآكل مصداقية الحلف، وامتناع بعض الأعضاء عن الالتزام بها.

 

علاوة على ذلك، فإن السياق الجغرافي والسياسي للصراع المحتمل يطرح تساؤلات إضافية، إذ أن أي مواجهة مع "إيران" ستجري خارج نطاق أراضي الدول الأعضاء، ما يضعف الحجة القانونية لتفعيل المادة الخامسة. كما أن غياب إجماع داخل الحلف حول طبيعة التهديد الإيراني يزيد من صعوبة اتخاذ قرار جماعي بهذا الحجم، خاصة في ظل تباين المصالح والتقديرات بين الدول الأعضاء.(٣)

 

اختلاف الأولويات عبر الأطلسي

 

يوضح رفض الدول الأوروبية الانخراط في الحرب ضد "إيران" مدى عمق اختلاف أولويات الأمن القومي بين ضفتي الأطلسي. ففي الوقت الذي ترى فيه "واشنطن" أن "طهران" تشكل خطراً يهدد الأمن الإقليمي والدولي، ما يدفع للتعامل مع هذا الخطر بكافة الأساليب، منها المواجهة العسكرية المباشرة، تجد "بروكسل" أن هذا الخطر يمكن احتواؤه عبر الدبلوماسية والاتفاقيات متعددة الأطراف، ما يجنب القارة تشتيت الموارد في حروب لا تمس أمنها القومي.

 

وهكذا أيضاً فإن الخطر الروسي يمثل التهديد الرئيسي للقارة الأوروبية، ما يستلزم تركيز كافة الموارد لمواجهته، بينما لا تستشعر "الولايات المتحدة" الخطر ذاته، وبالأخص "دونالد ترامب". ففي الأيام القليلة الماضية رفع الرئيس الأمريكي العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي من أجل الحد من أزمة الطاقة التي يواجهها العالم منذ إغلاق مضيق "هرمز"، دون الاكتراث لما قد يخلفه هذا القرار من تداعيات قد تؤثر على مسار الحرب في "أوكرانيا".

 

كما أن الخبرة التاريخية تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الموقف الأوروبي، فقد تركت التجارب السابقة، وعلى رأسها حرب "العراق"، أثراً عميقاً في الوعي السياسي الأوروبي، حيث أدت إلى فقدان الثقة في جدوى التدخلات العسكرية التي تقودها "الولايات المتحدة" دون توافق دولي واسع. هذه التجربة عززت النزعة نحو الحذر لدى الأوروبيين، ورسخت قناعة بأن الانخراط في صراعات مفتوحة قد يترتب عليه تكاليف استراتيجية باهظة، دون تحقيق نتائج حاسمة.

 

متلازمة غزو "العراق" ٢٠٠٣

 

أعادت دعوة "ترامب" الدول الأوروبية إلى الانضمام لحربه ضد "إيران" ذكرى غزو "العراق"، التي لم تندمل حتى الآن. هذه الحرب التي شنها "جورج بوش الابن" إلى جانب مجموعة من الحلفاء، أبرزهم "المملكة المتحدة"، تحت زعم أن "العراق" يملك أسلحة دمار شامل، وأنه أعاد العمل على برنامجه النووي. إلا أن "الولايات المتحدة" وحلفاءها فشلوا في الحصول على تفويض من "مجلس الأمن"، نتيجة معارضة قوى أوروبية أخرى مثل "فرنسا" و"ألمانيا"، إضافة إلى "روسيا" و"الصين"، لذا لجأت "واشنطن" والحلفاء إلى التحرك الأحادي دون الحاجة إلى غطاء قانوني.

 

هذا الادعاء الذي ثبت لاحقاً عدم صحته، نتج عنه تداعيات كارثية، أصابت في المقام الأول "الشرق الأوسط"، ثم ألقت بظلالها على القارة الأوروبية، التي شهدت لاحقاً عمليات إرهابية هزت العواصم الأوروبية، مثل "مدريد" و"لندن"، فضلاً عن التنظيمات المتشددة، التي عزز الغزو من وجودها ونطاق تأثيرها. فنشاطها لم يتوقف على الشرق الأوسط، بل امتد ليضرب "باريس"، التي شهدت هجوم "نوفمبر ٢٠١٥"، وقد نجم عنه ١٣٠ قتيلاً، كذلك شهدت "لندن" و"بروكسل" هجمات مشابهة. ناهيك عن تدفق المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية، ما استُخدم ذريعة من جانب تيار اليمين المتطرف الأوروبي لتعزيز شعبيته.

 

اليوم تدرك "أوروبا" أن أي تدخل عسكري لن يكون محدود النطاق، بل سينتج عنه تداعيات تكون غير قابلة للاحتواء، فهذه الحرب يمكنها في نهاية المطاف أن تؤدي إلى فراغ أمني، سرعان ما يملؤه فاعلون من غير الدول. هذا الإدراك لا ينبع فقط من قراءة الواقع الراهن، بل من دروس الماضي القريب.

 

يزداد هذا التردد في ظل إدراك متنام بأن "إيران" ليست "العراق"، من حيث القدرات العسكرية، أو شبكة التحالفات الإقليمية، أو القدرة على الرد غير التقليدي، ما يعني أن كلفة المواجهة ستكون أعلى بكثير، وربما غير قابلة للتقدير بدقة.

 

ختاماً

 

تكشف أزمة الحرب على "إيران" وما تبعها من تباينات حادة بين ضفتي الأطلسي عن لحظة مفصلية يشهدها النظام الدولي، حيث لم تعد التحالفات التقليدية قادرة على الصمود بذات التماسك الذي حكمها لعقود. فـ"البجعة السوداء" التي مثلها صعود "دونالد ترامب" لم تقتصر آثارها على تغيير خطاب السياسة الخارجية الأمريكية، بل امتدت لتعيد تعريف حدود الالتزام داخل التحالفات، وتضعها أمام اختبار غير مسبوق بين منطق المصالح الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي.

 

على الجانب الآخر، أظهر الموقف الأوروبي أن زمن الاصطفاف التلقائي خلف "واشنطن" قد ولى، وأن القارة باتت أكثر ميلاً لتبني مقاربات مستقلة، تستند إلى حسابات الكلفة والعائد، وإلى دروس الماضي التي أثبتت أن الانخراط في حروب مفتوحة دون أفق سياسي واضح يحمل في طياته مخاطر تتجاوز حدود ساحات القتال.

 

في المقابل، عكست الضغوط الأمريكية المتصاعدة توجهاً نحو إعادة صياغة التحالفات وفق منطق النفوذ والمساهمة المباشرة، وهو ما يهدد بتحويل هذه التحالفات من أطر تعاونية إلى أدوات ضغط متبادل.

 

وعليه، فإن استمرار هذا التباعد قد يفضي إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية عبر الأطلسي، وربما إلى بروز نماذج جديدة من الشراكات المرنة، التي تقوم على توافقات مرحلية بدلاً من التزامات دائمة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء