في زحام الأمثال الشعبية التي تختصر تجارب البشر وتكثّف خلاصات الزمن، يبرز مثل “اللي حضّر العفريت يصرفه” بوصفه أكثر من مجرد عبارة دارجة، إنه قانون غير مكتوب يحكم السلوك الإنساني حين يغامر دون حساب، ويتورط دون تقدير لعواقب أفعاله.
العفريت هنا ليس كائنًا خرافيًا بقدر ما هو استعارة مكثفة لكل قوة يُطلقها الإنسان بإرادته، ثم يكتشف، متأخرًا، أنها خرجت عن نطاق السيطرة. إنه رمز للأزمات التي تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي عنده، بل تتشعب وتتعقد حتى تعيد تشكيل الواقع نفسه.
جوهر هذا المثل لا يكمن في التحذير من الخطأ بقدر ما يكمن في فضح وهم السيطرة، فكم من قرار اتُّخذ بثقة زائدة، أو بدافع تحقيق مكسب سريع، ثم تحول مع الوقت إلى عبء ثقيل، لا يمكن التنصل منه ولا احتواؤه بسهولة.
في هذا السياق، يصبح تحضير العفريت فعلًا سهلًا نسبيًا، أما صرفه فهو التحدي الحقيقي، الذي غالبًا ما يتجاوز قدرات من استدعاه.
فعلى مستوى السياسة الدولية، تتجسد هذه الحكمة بوضوح يكاد يكون فادحًا، فخلال الحرب السوفيتية في أفغانستان، بدت التدخلات والتحالفات وكأنها خطوات محسوبة في سياق صراع النفوذ، غير أن ما زُرع في تلك المرحلة لم يبقَ أسير زمانه، بل تحوّل إلى إرث معقد من التهديدات والتوترات التي امتدت لعقود، لقد جرى استدعاء “العفريت” بدقة، لكن أحدًا لم يمتلك القدرة الكاملة على صرفه.
وتتكرر الصورة بصورة أكثر حدّة بعد غزو العراق 2003، حيث لم يؤدِ إسقاط نظام قائم إلى بناء بديل مستقر، بل فتح المجال أمام فراغ سياسي وأمني، سرعان ما امتلأ بقوى متنازعة ومتناقضة.
وفي الحاضر، تتكرر المعضلة ذاتها في أكثر من ساحة، ولعل الحرب في أوكرانيا تقدم مثالًا حيًا على كيف يمكن للتصعيد أن يتحول إلى مأزق ممتد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الأعباء الاقتصادية والضغوط السياسية، بحيث يصبح كل خيار مكلفًا، وكل تراجع صعبًا، وتتجسد أزمة “صرف العفريت”، فلا نهاية واضحة، بل سلسلة من التعقيدات المتراكمة.
والنقد السياسي لا يتوقف عند حدود استعراض الأمثلة، بل يتجه إلى نمط تفكير متكرر، كثير من القوى الإقليمية والدولية، تتعامل مع الصراعات كأدوات قابلة للضبط، فتغذي توترات، وتدعم أطرافًا، وتؤجل حلولًا، على أمل تحقيق مكاسب سريعة، فهي تُجيد إشعال الأزمات أكثر مما تُجيد احتواءها، وتراكم المشكلات بدلًا من حلّها.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز التوتر والصراع المستمر بين إيران والصهيوأمريكية كأحد أبرز تجليات هذا المأزق، فعلى مدى سنوات، جرى بناء توازن هش قائم على الردع غير المباشر، عبر ساحات متعددة مثل سوريا، وعمليات أمنية ورسائل عسكرية متبادلة.
غير أن هذا التوازن، بدلًا من أن يحدّ من التصعيد، ساهم في خلق بيئة شديدة التعقيد، فاشتعلت معارك تكسير عظام متبادلة، أُقحمت فيها دول الخليج العربي، أشعلاها واستحضرا "العفريت"، ويعجز لجميع عن صرفه حتى اللحظة.
وإذا انتقلنا إلى الواقع العربي، نجد أن المثل يكاد يكون وصفًا دقيقًا لمسار أزمات كاملة في عدة أقاليم، فتحولت احتجاجات محدودة إلى صراعات مفتوحة متعددة الأطراف، بفعل تداخل العوامل الداخلية والتدخلات الخارجية، وما أدت إليه الحسابات الإقليمية والانقسامات الداخلية من أزمة إنسانية وسياسية معقدة.
وفي مصر، تتخذ الفكرة بعدًا مختلفًا، أكثر التصاقًا بالحياة اليومية، لكنه لا يقل عمقًا، فالتحديات الاقتصادية، والضغوط الاجتماعية، والحاجة المستمرة لاتخاذ قرارات سريعة، كلها تضع صانع القرار أمام معادلة صعبة، كيف يمكن احتواء الأزمات دون إنتاج أزمات جديدة؟
هنا، يظهر خطر الاعتماد على الحلول المؤقتة أو تأجيل المواجهة مع جذور المشكلات، إذ يتحول ذلك تدريجيًا إلى نمط يعيد إنتاج التحديات بدلًا من إنهائها، وهكذا، يصبح الواقع أشبه بمحاولة مستمرة لـ“صرف العفريت”، دون التوقف عن استدعائه بأشكال مختلفة.
وفي النهاية، لا يبدو هذا المثل مجرد حكمة تُروى، بل إنذارٌ مفتوح لا يسقط بالتقادم، فالعالم الذي يستخف بالبدايات، ويمضي في صناعة أزماته بيديه، لا يملك رفاهية الدهشة حين تتفاقم النتائج، إن أخطر ما في “العفريت” ليس قوته، بل اللحظة التي يظن فيها صانعه أنه ما يزال قادرًا على التحكم فيه.
التاريخ لا يرحم التكرار، ولا يغفر لمن يتجاهل دروسه، وكل قرار يُتخذ دون حساب دقيق لعواقبه، هو بمثابة خطوة جديدة نحو دائرة يصعب الخروج منها.
وما بين نشوة الفعل الأولى ومرارة النتائج، تتكشف الحقيقة العارية، ليس كل ما يُشعل يمكن إطفاؤه، وليس كل ما يبدأ يمكن إنهاؤه، لذلك، تبقى الرسالة أبسط مما تبدو، وأقسى مما يُتصور:
احذر أن تستدعي ما لا تملك القدرة على احتوائه، لأن بعض “العفاريت” لا تُصرف، بل تُورث أزماتها للأجيال.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،