حارس البوابة الجنوبية.. مصر الوجه المقبول لجميع الفرقاء اليمنيين
بين ضفتي البحر الأحمر، يمتد حبل سري لا ينقطع بين القاهرة وصنعاء؛ فاليمن بالنسبة لمصر ليس مجرد جار عربي، بل هو “حارس البوابة” الجنوبية لمضيق باب المندب وشريان قناة السويس، من هنا، انطلق الدور المصري بعقيدة صلبة تؤمن بأن انكسار اليمن هو انكسارٌ للأمن القومي العربي، لتلعب مصر دور السند التاريخي والوسيط الحكيم الذي يسعى لترميم جراح “اليمن السعيد” وإعادته إلى حضنه العربي بعيداً عن صخب الميليشيات وأطماع الخارج.
ترتكز الرؤية المصرية على دعم "الدولة الوطنية" في اليمن ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية.
وتؤكد القاهرة في كافة المحافل الدولية على ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، ورفض أي محاولات لتقسيم البلاد أو فرض واقع جديد بقوة السلاح، معتبرة أن استقرار اليمن هو ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة العربية.
أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب

يمثل اليمن عمقاً استراتيجياً حيوياً للأمن القومي المصري، خاصة فيما يتعلق بسلامة الملاحة في مضيق باب المندب. وترى مصر أن أي تهديد للملاحة الدولية هناك يمس مباشرة حركة التجارة في قناة السويس، لذا تحرص القاهرة على التنسيق الإقليمي والدولي لضمان بقاء هذا الممر المائي الاستراتيجي آمناً وبعيداً عن تجاذبات القوى المسلحة.
المشاركة في "تحالف دعم الشرعية"
كانت مصر من أوائل الدول التي انضمت لتحالف دعم الشرعية في اليمن، وشاركت بفعالية من خلال القوات البحرية والجوية لتأمين الممرات الملاحية ومنع تهريب الأسلحة. ويأتي هذا الدور انطلاقاً من التزام مصر القومي بالدفاع عن الأمن العربي المشترك ومواجهة التهديدات التي تستهدف دول الجوار الخليجي.
دعم المبادرات السياسية والمرجعيات الثلاث
تتمسك الدبلوماسية المصرية بالحل السياسي كسبيل وحيد لإنهاء الأزمة، وتدعم كافة الجهود الأممية والإقليمية (خاصة المبادرة السعودية). وتشدد مصر على ضرورة استناد أي حل إلى المرجعيات الثلاث: المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني اليمني، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وعلى رأسها القرار 2216.
استضافة ورعاية الجالية اليمنية

تُعد مصر الوجهة الأولى والآمنة للأشقاء اليمنيين منذ اندلاع الأزمة؛ حيث تستضيف القاهرة ملايين اليمنيين الذين يعاملون كـ "ضيوف" وليس كلاجئين. ويتمتع اليمنيون في مصر بتسهيلات واسعة في الإقامة، والتعليم، والرعاية الصحية، مما جعل من مصر "بيتاً ثانياً" لليمنيين بكافة أطيافهم.
تتضارب التقديرات حول عدد اليمنيين في مصر، حيث تشير تقارير دولية مثل المنظمة الدولية للهجرة إلى أن العدد يقارب مليون نسمة، بينما تؤكد تقديرات السفارة اليمنية بالقاهرة أن عدد المقيمين المستقرين يتراوح بين 100 إلى 150 ألف شخص، ويتركز غالبيتهم في القاهرة والجيزة (فيصل، الدقي، المهندسين) والإسكندرية
الجسر الإغاثي والدعم الإنساني
لم تتوانَ مصر عن تقديم المساعدات الإنسانية والطبية للشعب اليمني للتخفيف من وطأة الأزمة المعيشية.
وقد سيرت الدولة المصرية قوافل من الأدوية والمستلزمات الطبية والغذائية، بالإضافة إلى استقبال الجرحى والمصابين اليمنيين لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية المتخصصة.
تدريب الكوادر وبناء القدرات
تساهم مصر بفعالية في إعداد الكوادر اليمنية في مختلف المجالات، من خلال تقديم منح دراسية ودورات تدريبية للقضاة، والإعلاميين، والعسكريين، ورجال الإدارة. ويهدف هذا الدور إلى تأهيل جيل يمني قادر على قيادة مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار فور التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
رفض التدخلات الإقليمية التخريبية
تتخذ مصر موقفاً حازماً ضد التدخلات الخارجية في الشأن اليمني، خاصة تلك التي تسعى لتحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة لتهديد أمن دول الجوار. وتؤكد القاهرة دوماً على ضرورة وقف تدفق الأسلحة والمقاتلين الأجانب الذين يغذون الصراع الداخلي.
التنسيق المستمر مع الأطراف الإقليمية
تؤدي القاهرة دور "الوسيط العاقل" والمستشار الاستراتيجي في الملف اليمني، حيث تجري مشاورات مكثفة ومستمرة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبعثة الأممية لليمن. ويهدف هذا التنسيق إلى توحيد الرؤى العربية وضمان عدم خروج الأزمة عن مسارها السياسي المأمول.
رؤية "ما بعد الحرب" وإعادة الإعمار
تضع مصر خبراتها التنموية الكبيرة في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والمقاولات، بتصرف الجانب اليمني للمرحلة القادمة. وتتطلع القاهرة للمشاركة بفعالية في مشاريع إعادة الإعمار، إيماناً منها بأن التنمية الاقتصادية هي الضمانة الحقيقية لاستدامة السلام ومنع عودة الصراعات المسلحة.
مصر والحكومة الشرعية

تعد مصر من أبرز الداعمين للمؤسسات الشرعية في اليمن، ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المعترف بها دولياً.
وتنطلق القاهرة في موقفها هذا من رؤية استراتيجية تعتبر استعادة الدولة اليمنية لمؤسساتها وبسط سيادتها على كامل ترابها الوطني ضرورة قصوى للأمن القومي العربي، لذا، ترفض مصر بشكل قاطع أي محاولات لفرض واقع سياسي بقوة السلاح من قبل الميليشيات، وتشدد في كافة المحافل الدولية على ضرورة الالتزام بالمرجعيات الثلاث للحل السياسي، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216.
مصر والحوثيين

أعرب الحوثيون في مناسبات عدة عن إشادتهم بدور مصر، داعين إياها لاتخاذ موقف حازم ضد إسرائيل وفتح معبر رفح، مؤكدين في الوقت ذاته أن عملياتهم في البحر الأحمر لا تستهدف المصالح المصرية، رغم الأضرار الاقتصادية التي لحقت بقناة السويس جراء هذه الهجمات.
جدد زعيم الحوثيين تأكيده على ضرورة أن تكون مصر في مقدمة التحرك العربي للضغط على إسرائيل، كما أشارت تقارير إلى أن الحوثيين نقلوا رسائل مفادها أنهم ليسوا في خصومة مع القاهرة، ولا يستهدفون مصالحها بشكل مباشر.
شهدت القاهرة زيارات لوفود حوثية لبحث خفض التوتر، وفقاً لـ صحيفة العربي الجديد.
يأتي هذا الثناء أو التهدئة في سياق محاولات الحوثيين إبعاد مصر عن أي تحالف عسكري دولي قد يتدخل ضدهم، خاصة بعد تقارير تتحدث عن خسائر بـ 6 مليارات دولار في إيرادات قناة السويس.
علاقة مصر والقضية الجنوبية

تتبنى القاهرة مقاربة "براجماتية" دقيقة في الملف اليمني؛ فهي في الوقت الذي تتمسك فيه بالاعتراف الرسمي بالحكومة الشرعية، لا تتجاهل الوزن النوعي للمجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل سياسي وعسكري لا يمكن تجاوزه على الأرض.
هذا التعاطي يعكس إدراكاً مصرياً عميقاً للوقائع الميدانية، حيث تسعى الدولة المصرية لإدارة التوازنات بذكاء، دون القفز فوق الأطر القانونية والدولية التي تعتبرها ضمانة أساسية لأي تحول سياسي مستدام.
واتسمت العلاقة بين رئيس المجلس الإنتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي والرئيس عبد الفتاح السيسي بروابط استراتيجية عميقة، لخصتها الأوساط الجنوبية في "القواسم المشتركة" بين القائدين، خاصة في اللقاء الذي جمعهم خلال زيارة وفد المجلس الرئاسي للقاهرة، وعلى رأسها النجاح في كسر شوكة تنظيم الإخوان الإرهابي.
وأكد المجلس الانتقالي الجنوبي أن الأمن القومي المصري جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، مشدداً على أن الجنوب ومصر يخوضان حرباً حقيقية ضد نفس التهديدات التي تغذيها أطراف إقليمية عبر أذرعها من جماعات الإخوان والحوثيين والميليشيات المتطرفة.
وحرص الزبيدي على مشاركة مصر أفراحها الوطنية، والتي تجسدت في برقية التهنئة التي بعث بها للرئيس السيسي بمناسبة الذكرى الـ 52 لانتصارات السادس من أكتوبر المجيد.