رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الحرب الأهلية للكوارث الطبيعية.. مصر حضن دافئ ووسيط نزيه للسوريين

السيسي والشرع
السيسي والشرع

من قلب التاريخ الذي جمع بين القاهرة ودمشق في “جمهورية واحدة” ذات يوم، انطلق الدور المصري تجاه الأزمة السورية بعقيدة ثابتة لا تلين: “بقاء الدولة من بقاء مؤسساتها”، وفي وقت تلاطمت فيه أمواج الفوضى أثناء الحرب الأهلية السورية، وقفت مصر كحائط صدٍ منيع ضد سيناريوهات التفكيك والتقسيم، مؤمنة بأن سوريا ليست مجرد جارٍ بعيد، بل هي الجناح الشمالي للأمن القومي العربي الذي لا يستقيم استقرار المنطقة إلا باستقامته وتعافيه.

في أعقاب عام 2011، اتسم الموقف المصري بدعم ثابت لكيان الدولة، حيث رفضت القاهرة منذ ذلك الحين سيناريوهات "إسقاط الدول" أو تفكيك الجيوش الوطنية، معتبرة أن انهيار الدولة السورية يعني دخول المنطقة في نفق مظلم من الفوضى والإرهاب.

 التمسك بالحل السياسي (مسار جنيف وقرار 2254)

تعد مصر من أشد الداعمين للحل السياسي المستند إلى المرجعيات الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2254.

 وترى القاهرة أن الحوار "السوري-السوري" هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع، بعيداً عن الإملاءات الخارجية أو فرض أجندات لا تعبر عن تطلعات الشعب السوري بكافة أطيافه.

 مكافحة الإرهاب والمنظمات المتطرفة

اتخذت مصر موقفاً حازماً ضد الجماعات الإرهابية في سوريا (مثل داعش وجبهة النصرة)، ورفضت بشدة تقديم أي دعم للميليشيات المسلحة تحت أي مسمى. 

وشددت القاهرة في كافة المحافل على ضرورة تطهير الأراضي السورية من "المرتزقة" والمقاتلين الأجانب الذين ساهموا في إطالة أمد الأزمة وتدمير مقدرات البلاد.

استضافة اللاجئين السوريين بـ "كرامة"

تستضيف مصر واحدة من أكبر الجاليات السورية في المنطقة، والذين يعاملون كـ "أشقاء وضيوف" وليس كلاجئين. 

لم تضع مصر السوريين في مخيمات، بل سمحت لهم بالاندماج الكامل في المجتمع، والعمل، والتعليم، والرعاية الصحية، مما جعل من مصر نموذجاً دولياً في إدارة ملف اللجوء الإنساني بكرامة واحترام.

تشير التقديرات إلى وجود ما بين مليون إلى مليون ونصف المليون سوري في مصر، وفقاً لبعض المصادر، بينما بلغ عدد السوريين المسجلين كلاجئين وطالبي لجوء لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر 139,384 شخصاً حتى مارس 2025.

دور "الوسيط النزيه" ومنصات المعارضة

لعبت القاهرة دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين القوى السورية، حيث استضافت اجتماعات "منصة القاهرة" للمعارضة السورية المعتدلة. 

وهدفت هذه المنصة إلى إيجاد تيار وطني يؤمن بالحل السياسي ويرفض العنف والتبعية للخارج، ليكون جزءاً من عملية التفاوض الشاملة مع الحكومة السورية.

التحرك نحو "العودة للبيت العربي"

قادت مصر، بالتنسيق مع الأشقاء العرب، جهوداً دبلوماسية مكثفة لإعادة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية. 

وترى القاهرة أن عزل سوريا لم يخدم الحل، بل فتح الباب لتدخلات إقليمية غير عربية، وأن عودة دمشق لمحيطها العربي هي خطوة ضرورية لاستعادة الاستقرار الإقليمي.

 رفض التدخلات الإقليمية والأطماع الخارجية

تتصدى الدبلوماسية المصرية بشدة لأي محاولات من قوى إقليمية لفرض نفوذها أو اقتطاع أجزاء من الأراضي السورية. 

وتؤكد مصر دائماً على ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ورفض سياسات "التغيير الديموغرافي" أو التدخلات العسكرية الأجنبية غير المشروعة.

 الدعم الإنساني في الكوارث (زلزال 2023)

تجسد الدور الإنساني المصري في أبهى صوره عقب زلزال فبراير 2023 المدمر؛ حيث سارعت مصر بإرسال سفن وطائرات محملة بمئات الأطنان من المساعدات الطبية والغذائية. كما أجرى الرئيس السيسي اتصالاً هاتفياً بنظيره السوري لأول مرة منذ سنوات، في خطوة كسر بها الجليد السياسي من بوابة التضامن الإنساني.

التنسيق الأمني وتبادل المعلومات

تؤمن مصر بأن استقرار سوريا ينعكس مباشرة على أمن المنطقة ومكافحة التطرف العابر للحدود. لذا، حافظت الأجهزة المعنية في البلدين على قنوات تواصل وتنسيق أمني (بدرجات متفاوتة) لملاحقة العناصر الإرهابية المشتركة وضمان عدم تمدد الفكر المتطرف نحو دول الجوار.

رؤية "إعادة الإعمار" والشراكة المستقبلية

تتطلع مصر للمساهمة بفعالية في مرحلة "إعادة إعمار سوريا"، واضعة خبراتها في قطاعات المقاولات، والطاقة، والبنية التحتية بتصرف الشعب السوري. وتؤكد القاهرة أن استعادة سوريا لعافيتها الاقتصادية هي الضمانة الحقيقية لمنع عودة الصراعات وتحقيق التنمية المستدامة للشعب السوري الشقيق.

الوساطة المصرية في خفض التصعيد.. دور منسي وسط أوراق الحرب

في شهادة تاريخية وميدانية حصرية، كشف الباحث السياسي السوري "عبد الرحمن ربوع" – الذي كان شاهداً عياناً من داخل المكتب الإعلامي للشيخ "أحمد الجربا" وتيار الغد السوري في تلك الفترة – عن تفاصيل دقيقة حول الدور المحوري الذي لعبته الدولة المصرية في إبرام واحدة من أعقد صفقات التهدئة والتسوية في الأزمة السورية، وهي اتفاق الغوطة الشرقية عام 2017.

 

أوضح "ربوع" أن الحكومة المصرية، عبر أجهزتها المعنية، نجحت في منتصف يوليو 2017 في رعاية اتفاق تاريخي بين فصائل المعارضة (وعلى رأسها جيش الإسلام) وحكومة النظام السوري بضمانة روسية. 

وقد لعب الشيخ "أحمد الجربا"، رئيس منصة القاهرة للمعارضة السورية، دور "العرّاب" في تقريب وجهات النظر المستعصية التي استمرت لأكثر من عامين دون جدوى.

 

وفقاً لشهادة "ربوع"، نجح المفاوض المصري في كسب ثقة الطرفين بذكاء وحيادية، واستطاع حل "العُقد المستعصية" التي تمثلت في تقديم ضمانات حقيقية شملت وقف الأعمال القتالية والقصف فوراً.

وتضمنت البنود السماح بدخول المساعدات الإغاثية والطبية لنحو نصف مليون محاصر في مدن (دوما، زملكا، حرستا، عربين، وعين ترما)، تأمين الخروج الآمن للمقاتلين بسلاحهم الخفيف وأموالهم، وتوفير خيارات "التسوية" لمن رغب في البقاء من المدنيين والمسلحين برعاية مصرية-روسية.

 

أشار الباحث السوري إلى أن ما عجّل بإبرام الاتفاق كان حالة "الاقتتال الأخوي" الدامي الذي اندلع في فبراير 2017 بين (جيش الإسلام) من جهة، و(فيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام) من جهة أخرى، وهو الصراع الذي خلف آلاف القتلى ودمر البنية التحتية، مما جعل التدخل المصري بمثابة "طوق نجاة" للمدنيين والمقاتلين على حد سواء.

 

أكد "ربوع" أن التوافقات التي تمت في القاهرة لم تقتصر على وقف النار، بل امتدت لترتيب عمليات الخروج التي نُفذت بين مارس وأبريل 2018؛ حيث خرج مقاتلو "جيش الإسلام" إلى ريف حلب (لينضموا لاحقاً للجيش الوطني)، بينما خرج مقاتلو "الهيئة" إلى إدلب، وذلك بعد توقف الدعم الخارجي وتفكك بعض الفصائل.

واختتم الباحث عبد الرحمن ربوع شهادته بالتأكيد على أن "الدولة المصرية" كانت الطرف الوحيد الذي استطاع صياغة حل وسط مقبول، موفرةً كافة الضمانات التي عجزت عنها أطراف دولية أخرى، لتظل "منصة القاهرة" علامة فارقة في مسار البحث عن سلام يحقن دماء السوريين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء