رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الخط الأحمر للإغاثة.. مصر مصباح وسط عتمة الأزمة الليبية

مصر وليبيا
مصر وليبيا

بين القاهرة وطرابلس تاريخ لا يفصله جدار، وجغرافيا لا تعترف بالحدود، ففي العقيدة المصرية، أمن ليبيا ليس مجرد ملف خارجي، بل هو امتداد مباشر لنبض الأمن القومي المصري، من هنا، وقفت مصر بشموخ المقاتل وحكمة الدبلوماسي، لتخط بـ "خطوطها الحمراء" مسارات السلام، وتمد يد العون لإعادة بناء الجار الشقيق، معلنة للعالم أن استقرار ليبيا هو استقرار لمصر، وأن الشقيق لا يترك شقيقه في مهب الريح.

تتعامل الدولة المصرية مع الأزمة الليبية من منظور أن أمن ليبيا هو امتداد مباشر لأمن مصر القومي، لذا، انطلقت الرؤية المصرية من ضرورة منع تحول ليبيا إلى ملاذ للجماعات الإرهابية أو منطلق لتهديد الحدود المشتركة التي تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، مع التأكيد على وحدة التراب الليبي ورفض التقسيم.

إعلان القاهرة.. خارطة الطريق للحل

مثل "إعلان القاهرة" الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي في يونيو 2020، نقطة تحول جوهرية في مسار الأزمة. حيث وضع الإعلان مبادئ واضحة ترتكز على وقف إطلاق النار، وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية، وتفكيك الميليشيات، والعودة إلى المسار السياسي بما يضمن تمثيل كافة أطياف الشعب الليبي.

 رسم "الخط الأحمر" (سرت - الجفرة)

في لحظة فارقة من الصراع، حددت مصر خط (سرت - الجفرة) كخط أحمر لا يمكن تجاوزه، ولم تكن هذه الخطوة إعلاناً للحرب، بل كانت "دعوة للسلام" بقوة الردع، حيث ساهم هذا التحديد الاستراتيجي في وقف العمليات العسكرية الميدانية ودفع كافة الأطراف نحو مائدة المفاوضات السياسية.

وأوضح عز الدين عقيل المحلل السياسي الليبي، أن الدور المصري في ليبيا هو دور هام لأن مصر هي جزء من ما أسماه “معادلة الرعب” التي تردع أي طرف يفكر في الإعتداء على طرف آخر، والذي حدده الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس السيسي من سرت- الجفرة.

وأكد عقيل في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن مصر منفتحه الآن على جميع الأطراف الليبية حتى الأطراف الموجودة في غرب ليبيا 

 دعم توحيد المؤسسة العسكرية

بذلت اللجنة المصرية المعنية بالملف الليبي جهوداً مضنية لسنوات في استضافة جولات الحوار بين العسكريين الليبيين. وتهدف مصر من ذلك إلى بناء جيش ليبي وطني موحد قادر على حماية الحدود وبسط السيادة، بعيداً عن تدخلات الميليشيات المسلحة التي تقوض الدولة.

 المسار السياسي والانتخابات

تتمسك مصر بضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أسرع وقت ممكن كحل وحيد لإنهاء أزمة الشرعية.

 وتدعم القاهرة كافة الجهود الدولية والبعثة الأممية للوصول إلى قاعدة دستورية توافقية، مؤكدة أن الحل يجب أن يكون "ليبياً - ليبياً" دون إملاءات خارجية.

 مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه

لعبت مصر دوراً محورياً في دعم قدرات المؤسسات الوطنية الليبية لمواجهة التنظيمات المتطرفة في الشرق والجنوب الليبي. وساهم التنسيق الاستخباري والأمني بين البلدين في الحد من تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب، مما انعكس إيجاباً على استقرار منطقة حوض المتوسط.

الشراكة الاقتصادية وإعادة الإعمار

مع هدوء الجبهات العسكرية، بادرت مصر بفتح آفاق التعاون الاقتصادي عبر توقيع مذكرات تفاهم ضخمة للمشاركة في إعادة إعمار ليبيا. 

تستحوذ الشركات المصرية على نصيب الأسد في مشروعات إعادة إعمار المدن الليبية المتضررة، مستندة إلى خبراتها العريضة في النهضة العمرانية التي شهدتها مصر مؤخراً.

 وقد وقعت اللجنة العليا المشتركة مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات تشمل تنفيذ مشروعات ضخمة في البنية التحتية، مثل "طريق مساعد - المرج" والكباري والأنفاق، بالإضافة إلى صيانة وتطوير محطات الكهرباء والموانئ، مما يساهم في دوران عجلة الاقتصاد الليبي من جديد.

 

يمثل ملف الطاقة ركيزة أساسية في التعاون الاقتصادي؛ حيث تعمل القاهرة وطرابلس على تعزيز مشروع الربط الكهربائي لزيادة القدرات المصدرة من مصر إلى ليبيا لسد العجز في الشبكة الليبية.

 كما يتوازى ذلك مع تنشيط حركة التجارة البينية عبر تطوير المنفذ البري "السلوم"، وتدشين خطوط ملاحية وتجارية منتظمة تسهم في انسياب السلع والمنتجات المصرية لتلبية احتياجات السوق الليبي، وفتح آفاق للاستثمارات المشتركة في قطاع النفط والغاز.

 

تمثل العودة المنظمة للعمالة المصرية إلى ليبيا أحد أهم أهداف الشراكة الاقتصادية، حيث تم إطلاق منصات إلكترونية للربط بين وزارتي القوى العاملة في البلدين لتنظيم دخول التخصصات المطلوبة (خاصة في قطاعات التشييد، الصحة، والتعليم).

 هذه الخطوة لا تساهم فقط في تقليص معدلات البطالة، بل تمثل قوة دفع بشرية ضرورية لاستعادة الحيوية في مفاصل الدولة الليبية، مع ضمان الحماية الاجتماعية والقانونية الكاملة للعاملين المصريين.

الدعم الإنساني في الكوارث (إعصار دانيال نموذجاً)

تجسد الدور الإنساني المصري في أبهى صوره خلال فاجعة إعصار دانيال بمدينة درنة، بمجرد وقوع الكارثة في مدينة درنة والجبل الأخضر، وجهت القيادة المصرية بإعلان الحداد وتدشين جسر جوي وبحري عاجل لنقل المساعدات. 

شملت هذه القوافل أطناناً من المواد الغذائية، المستلزمات الطبية، والخيام الإيوائية، بالإضافة إلى إرسال فرق إنقاذ متخصصة ومعدات هندسية لفتح الطرق المهدمة وانتشال الضحايا، مما جعل مصر من أوائل الدول وصولاً لمواقع الحدث.

 

في خطوة استراتيجية غير مسبوقة، أرسلت مصر حاملة المروحيات "جمال عبد الناصر" من طراز ميسترال إلى السواحل الليبية لتكون بمثابة مستشفى ميداني مجهز بأحدث الأجهزة وغرف العمليات.

 لم يقتصر دورها على العلاج فحسب، بل عملت كمركز لإدارة الأزمات، حيث استوعبت مئات المصابين وقدمت الدعم اللوجستي لفرق الإغاثة الدولية والليبية في المناطق المعزولة.

 

على الأرض، انخرطت عناصر القوات المسلحة المصرية جنباً إلى جنب مع أشقائهم الليبيين في أصعب الظروف؛ فقاموا بعمليات إنقاذ وبحث تحت الأنقاض وفي عمق البحر. 

كما خصصت مصر معسكرات لإيواء النازحين وقامت بإجلاء المصابين ذوي الحالات الحرجة لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية، مما عكس وحدة المصير الشعبي وتجاوز حدود الدعم السياسي إلى التلاحم الإنساني الكامل.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء