في خضم الارتفاعات القياسية التي يشهدها سوق الألمنيوم عالميًا، حيث تجاوز سعر الطن حاجز 3200 دولار، تبدو الصورة—للوهلة الأولى—مريحة لشركات الإنتاج، وعلى رأسها شركة مصر للألمنيوم، التي تحقق في هذه اللحظة فوائض مالية معتبرة تعكس تحسنًا في الإيرادات وقدرة على تغطية التكاليف وتحقيق أرباح. غير أن القراءة المتأنية لدورات السلع الأولية تُحذِّر دومًا من الانخداع بلحظات الرواج، إذ تحمل في طياتها بذور تقلبات حادة قد تعصف بهذه الفوائض سريعًا، ما لم تُدار بسياسات رشيدة تستشرف المستقبل بدلًا من الارتهان للحاضر.
من هذا المنطلق، تعود إلى الواجهة فكرة طالما ناديت بها، وهي ضرورة إعادة النظر في آلية تسعير الكهرباء الموردة لشركة مصر للألمنيوم، عبر ربطها بسعر المعدن في الأسواق العالمية ضمن معادلة مرنة تحقق قدرًا من التوازن والاستقرار للطرفين. فالكهرباء في صناعة الألمنيوم ليست مجرد عنصر من عناصر التكلفة، بل هي العمود الفقري للعملية الإنتاجية، والمدخل الأهم في الإنتاج، وتمثّل النسبة الأكبر من هيكل التكلفة الكلية، الأمر الذي يجعل أي تقلّب في سعرها ذا أثر مباشر وفوري على ربحية الشركة وقدرتها التنافسية.
إن تصميم معادلة تسعير تربط بين سعر الألمنيوم وسعر الكيلووات/ساعة فائق الجهد ليس بدعة اقتصادية، بل هو تطبيق عملي لفلسفة تقاسم المخاطر بين المنتج ومورّد الطاقة. ففي أوقات ازدهار الأسعار، كما هو الحال اليوم، يمكن أن يرتفع سعر الكهرباء تدريجيًا ليحقق عوائد عادلة لشركة الكهرباء، مستفيدة من الطفرة السعرية للمعدن. وفي المقابل، عند تراجع الأسعار إلى مستويات حرجة—وليكن دون 1800 دولار للطن—تنخفض تكلفة الكهرباء بما يحمي شركة الألمنيوم من تكبد خسائر تشغيلية جسيمة.
تكمن أهمية طرح هذه الفكرة اليوم—في لحظة الفائض لا العجز—في أنها تتيح فرصة ذهبية للتوافق بين الأطراف المعنية دون ضغوط الأزمة أو منطق الاستغاثة. فشركة الكهرباء ستكون أكثر تقبّلًا لهذه الصيغة وهي تحقق أرباحًا مقرونة بربحية الألمنيوم (المستهلك الصناعي الأكبر)، مقارنةً بحالة التراجع التي قد تدفعها إلى التشدد في شروطها. كذلك، فإن اعتماد مثل هذه المعادلات في أوقات الرخاء يعزز من مصداقية السياسات الاقتصادية، ويُجنِّب صانع القرار الوقوع في فخ القرارات الاضطرارية التي تُتخذ تحت ضغط الخسائر.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لا تعتمد شركة مصر للألمنيوم على فوائضها الحالية لتكوين مخصصات مالية تُستخدم كوسادة امتصاص للصدمات في أوقات التراجع، بدلًا من السعي إلى ترتيبات تعاقدية مع مورّد الكهرباء؟
في الواقع، لقد كانت الشركة تسير بالفعل في هذا الاتجاه خلال فترات سابقة، حيث جرى—بالتنسيق مع الشركة القابضة للصناعات المعدنية—تكوين احتياطيات مالية تستهدف مواجهة تقلبات الأسعار العالمية. غير أن هذا النهج تعرّض لانتكاسة حادة عندما تم، في توقيت بالغ الحساسية عشية جائحة كورونا، اقتطاع ما يقارب مليار جنيه من فوائض الشركة لصالح الخزانة العامة، وبقرار من وزير قطاع الأعمال بصفته رئيس الجمعية العمومية للشركة القابضة!
لا شك أن دعم المالية العامة للدولة يمثل أولوية لا خلاف عليها، خاصة في أوقات الضغوط الاقتصادية، غير أن المفاضلة بين الأهداف قصيرة الأجل والاستدامة طويلة الأجل تظل مسألة دقيقة. إذ أدى تجفيف هذه الاحتياطيات إلى إضعاف قدرة الشركة على مواجهة صدمة انخفاض الأسعار التي أعقبت الجائحة، حين هبط سعر الألمنيوم إلى ما دون 1800 دولار، ما انعكس سلبًا على الأداء المالي والتشغيلي.
من هنا، يتضح أن إدارة فوائض الشركات (العامة والخاصة أيضًا) لا ينبغي أن تُختزل في كونها مصدرًا سريعًا لتمويل الموازنة، بل يجب النظر إليها كأداة استراتيجية لتحقيق الاستقرار القطاعي، خاصة في الصناعات كثيفة الطاقة التي تتسم بدورات سعرية حادة. فغياب هذه الرؤية قد يُفضي إلى نقل الأزمة من بند في الموازنة إلى أزمة إنتاجية تمس قطاعًا صناعيًا بأكمله.
إن تفعيل آليات شبيهة بعقود التحوط—سواء في صورة معادلات تسعير مرنة أو اتفاقيات طويلة الأجل—يمثل أحد المسارات الواعدة لتحقيق هذا التوازن. وقد سبق اعتمادها في مصر عبر اتفاق إحدى شركات الأسمدة الكبرى مع الهيئة العامة للبترول على معادلة تسعير الغاز الطبيعي، بما يضمن توزيعًا أكثر عدالة للمخاطر والعوائد بين الدولة والمنتج، علمًا بأن الغاز مدخل للإنتاج في صناعة الأسمدة الأزوتية تمامًا كما هي الكهرباء بالنسبة للألمنيوم.
وفي الحالة المصرية، فإن تعميم هذه الفلسفة على قطاع الألمنيوم—وغيره من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة—قد يسهم في تعزيز القدرة التنافسية وجذب رؤوس الأموال للاستثمار، وتحقيق استقرار أكبر في التدفقات النقدية، وتقليل الحاجة إلى تدخلات حكومية طارئة عند حدوث الأزمات.
خلاصة القول، إن فترات الفوائض ليست فقط فرصة لتعظيم الأرباح، بل هي—في المقام الأول—اختبار لقدرة صانع القرار على بناء منظومة مقاومة للصدمات. وبين خيار الاعتماد على دورات السوق العنيفة، وخيار تصميم أدوات ذكية لتقاسم المخاطر، تبدو الكفة راجحة لصالح من يستعد لأسوأ السيناريوهات وهو يرفل في نعيم الفوائض.