ميزانيات تُهدر في "تستيف الورق"..و"الجامعة المدنية" الحل الغائب |خاص
في الوقت الذي تتسارع فيه التصريحات الرسمية حول "جامعات الجيل الرابع" والرقمنة والذكاء الاصطناعي، يبرز تساؤل جوهرى، لماذا لا يشعر المواطن المصري بأثر هذه المليارات المنفقة داخل أسوار الجامعات في حياته اليومية؟ لماذا تظل أزمات المرور، والتلوث، والعشوائيات، وتدهور الصناعة قائمة، بينما تعج المكاتب الأكاديمية بآلاف الأبحاث التي تدعي امتلاك الحلول؟
الدكتور وائل كامل، عضو هيئة التدريس بجامعة العاصمة، يضع يده على الجرح النازف في جسد التعليم العالي، كاشفاً لـ "إيجبتك" عن خديعة "المصطلحات البراقة" التي تختبئ خلفها نظم إدارية عقيمة. ويطرح رؤية ثورية تتمثل في تحويل الجامعة من "دار للتدريس" إلى "جامعة مدنية" (Civic University) عبر ميثاق غائب يسمى "وثيقة الالتزام المدني".
فخ "الجيل الرابع".. هل نلهث وراء "الديكور" ونترك الجوهر؟
يبدأ الدكتور وائل كامل حديثه بتفكيك الخلط الشائع بين "الوسيلة" و"الهدف، ويرى أن التركيز الحالي على "جامعات الجيل الرابع" ينصب بالأساس على الشكل؛ من تكنولوجيا، وبنية تحتية، ورقمنة، وهو أمر ضروري لكنه يظل مجرد "أدوات"، أما الجوهر الحقيقي الذي تغيب عنه الدولة فهو مفهوم "الجامعة المدنية".
يتساءل د. كامل بمرارة: "هل سمعت مسؤولاً واحداً في مصر يتحدث عن الجامعة المدنية؟ هذا المصطلح تطبقه كبرى الجامعات العالمية، وهو يقوم على فكرة (العقد) بين الجامعة وأطراف المجتمع. نحن حالياً نجري وراء الشكل وتركنا الجوهر؛ فالجامعة التقليدية عندنا إما منغلقة ببيروقراطيتها، أو تمارس نشاطاً مجتمعياً هامشياً وغير مؤثر، مما جعل نظام المشروعات الحالي مليئاً بالثغرات التي لا تحقق نتيجة يلمسها المواطن البسيط".
تشريح "الواقع الزائف".. نشاط بلا نظام وأبحاث للترقية فقط
ينتقل التحقيق لمواجهة الحجج المعلبة التي تسوقها الإدارات الجامعية، حيث يتردد دائماً: "لدينا مراكز خدمة مجتمع، وإدارات مشروعات، وموازنات". يؤكد د. كامل أن هذا "صحيح ورقياً"، لكن السؤال الحقيقي هو: أين الأثر؟
الواقع الحالي يكشف عن عجز هيكلي؛ فكل كلية تعمل بمعزل عن الأخرى، والمشروعات متفرقة بلا رابط، والتقارير تُكتب والفلوس تُصرف، لكن في غياب "هدف موحد" ومشكلة محددة مسبقاً، وفي ظل غياب جهة تنفيذية ملزمة بالتطبيق، تصبح النتيجة هي "التنفيذ الشكلي" وليس "التأثير الفعلي". البحث العلمي اليوم يُحبس في الأدراج بمجرد حصول الباحث على الترقية، والجامعة تعمل كجزر منعزلة عن جسد الدولة.

"وثيقة الالتزام المدني".. المسمار الأخير في نعش البيروقراطية
يطرح الدكتور وائل كامل حلاً جذرياً يتمثل في "وثيقة الالتزام المدني" (Civic Agreement). هذه الوثيقة ليست "بروتوكول تعاون" للمجاملات والصور التذكارية، بل هي أداة قانونية تفرض واقعاً جديداً بشروط عقد الشراكة.
وتتلخص فلسفة هذه الوثيقة في نقاط صارمة:
الارتباط بالمشكلة: لا يوجد مشروع بحثي أو تمويل إلا إذا كان مرتبطاً بمشكلة حقيقية يعاني منها مواطن أو حي أو مصنع في النطاق الجغرافي للجامعة.
العمل الجماعي: مفيش شغل فردي؛ بل فرق متعددة التخصصات تشترك في الحل.
الشريك التنفيذي: لا بحث بدون شريك (المحافظة، الحي، وزارة، أو مصنع) يكون طرفاً أصيلاً وملزماً بالتنفيذ.
بهذا المفهوم، تتحول الجامعة من مراقب للمشكلة إلى جزء أصيل من إدارة الدولة وحلولها.
إعادة الاعتبار للتخصصات.. "لا يوجد علم بلا قيمة"
في واحدة من أهم نقاط التحقيق، يتصدى د. كامل للجدل المثار حول جدوى بعض التخصصات مثل "الفنون" أو "الآداب" ومطالبات تقليل أعدادها. يرى أن "الجامعة المدنية" هي الوحيدة القادرة على إنهاء هذا الجدل؛ لأنها تضع كل تخصص في منظومة حل متكاملة.
يضرب د. كامل مثالاً عملياً بمشكلة "تطوير منطقة عشوائية":
الهندسة: تتولى البنية التحتية.
الطب: يمسك بملف الصحة العامة للسكان.
التجارة: تضع دراسات الجدوى للمشروعات متناهية الصغر والتمكين الاقتصادي.
الحقوق: تعمل على تقنين أوضاع الملكيات.
الفنون: تتولى الشكل الحضري وتنمية التذوق والهوية.
التربية والآداب: تمسك بملفات التعليم، الوعي، الثقافة، وتحليل سلوك السكان.
هنا، تختفي نغمة "الفنون ملهاش لازمة"؛ لأن القيمة لم تعد في التخصص منفرداً، بل في دوره الحيوي داخل "سيمفونية الحل" لنقل حي كامل من العشوائية إلى الرقي.
مشروعات التخرج.. جيش من الحلول المهدرة
لماذا تظل مشروعات التخرج حبيسة الأدراج أو مجرد عبء دراسي؟ في نموذج الجامعة المدنية، يتحول مشروع التخرج إلى "أداة تنفيذ حقيقية". الطالب هنا لا يقدم "ورقاً" بل يقدم "حلاً": طالب الجغرافيا يحلل خريطة الكثافة، وطالب الحاسبات يبني نظاماً رقمياً للخدمة، وطالب التربية يصمم برنامجاً سلوكياً. النتيجة: خريج فاعل، مناهج محدثة باستمرار، وحلول مجانية وملموسة للدولة.
مجلس إدارة "الأثر".. سلطة تنفيذية لا إدارية
ينتقد التحقيق المجالس الجامعية الحالية التي تضم محافظين أو رجال أعمال بصفة شرفية. البديل هو "مجلس إدارة وثيقة الالتزام المدني"، وهو مجلس تنفيذي مشترك يمتلك سلطة القرار والتمويل والمحاسبة. هذا المجلس لا يدير "مباني" بل يدير "خطة خمسية" بمشكلات محددة سلفاً (مرور، بطالة، تلوث)، ويربط التمويل بمدى تحقيق "مؤشرات الأثر" على الأرض، وليس بعدد الأبحاث المنشورة.
التحديات والخلاصة: هل نملك شجاعة التحول؟
لا ينكر د. كامل وجود تحديات هائلة، على رأسها البيروقراطية، نظام الترقيات الذي لا يقيس الأثر المجتمعي، وضعف الرواتب، والثقافة التقليدية المقاومة للتغيير. لكنه يشدد على أن "الجامعة المدنية" ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة وطنية.
ينتهى الدكتور وائل كامل رؤيته قائلا : إما أن تظل جامعاتنا تنتج "معرفة مع وقف التنفيذ" في جزر منعزلة، وإما أن تتحول إلى "جامعة مدنية" تكون شريكاً مباشراً في تطوير الوطن. إن تغيير وظيفة الجامعة من مجرد تدريس وبحث أكاديمي إلى "تدريس مؤثر وبحث مرتبط بالحلول" هو السبيل الوحيد لغلق باب الجدل حول جدوى التعليم العالي في مصر.
المواطن لا يريد "خطة استراتيجية" مكتوبة بخطوط عريضة، بل يريد أن يرى دور الجامعة في حل مشكلته مع الصرف الصحي، أو توفير فرصة عمل، أو تحسين بيئته المحيطة. فهل تتحرك وزارة التعليم العالي لتبني "وثيقة الالتزام المدني" كبداية لعصر جديد؟


