لا صوت ولا صورة.. عزلة رقمية فرضها قادة إيران على أنفسهم للنجاة
في أعقاب اغتيال آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى السابق، في 28 فبراير 2026 خلال ضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة، فرض قادة إيران على أنفسهم عزلة رقمية صارمة غير مسبوقة.
تهدف هذه الاستراتيجية إلى الحد من التعرض للرصد الإلكتروني والاستخباراتي الذي أثبتت إسرائيل فعاليته في عمليات الاغتيال السابقة، وفي مؤشر متصاعد على حجم الاختراق الذي يواجهه النظام الإيراني، كشفت تقارير إعلامية غربية، أبرزها موقع "أكسيوس"، أن كبار القادة في طهران بدأوا تقليص استخدام وسائل الاتصال الرقمية إلى الحد الأدنى، واللجوء إلى أنماط تواصل بدائية، في محاولة لتفادي الرصد والاستهداف.
لكن هذا التحول، وفق تقديرات بحثية، لا يعكس فقط إجراءً أمنياً احترازياً، بل يكشف عن أزمة أعمق تتجاوز التكنولوجيا إلى بنية القرار داخل النظام.
كيف استغلت إسرائيل الفجوة الرقمية

كشفت تقارير استخباراتية أن عملية اغتيال المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، لم تكن بالصدفة، بل نتيجة عملية تجسس طويلة الأمد، اخترقت فيها إسرائيل شبكة كاميرات المرور في طهران بالكامل منذ سنوات، ونقلت اللقطات مشفرة إلى خوادم في تل أبيب وجنوب إسرائيل.
كما اخترقت شبكات الهواتف المحمولة، وعطلت أبراجًا قرب شارع باستور (مقر الضربة) ليبدو أن الهواتف مشغولة، مما حال دون وصول تحذيرات إلى حراس المرشد، اعتمدت العملية على الاستخبارات الإلكترونية (SIGINT) والكاميرات لتأكيد وجوده.
هذه ليست المرة الأولى، ففي حرب يونيو2025، استخدمت إسرائيل الكاميرات نفسها لاستهداف اجتماع لمجلس الأمن القومي، مما أدى إلى إصابة الرئيس علي بزشكيان.
مما حدا بالمسؤولين الإيرانيين من التحذير الشديد مرارًا من أن "كل شيء على الإنترنت وكل الكاميرات في أيدي إسرائيل".
من الاحتياط للتنفيذ على الأرض

فرض علي خامنئي المرشد السابق، منذ سنوات، حظرًا كاملاً على الاتصالات الإلكترونية الشخصية خوفًا من التتبع، وكان يتواصل مع القادة العسكريين عبر "مساعد موثوق" واحد فقط.
وبعد عملية اغتياله، فرضت إيران انقطاعًا وطنيًا كاملاً للاتصالات والإنترنت لساعات، مما عزل البلاد رقميًا، وفي هذا السياق تؤكد الباحثة في الشأن الإيراني شيماء المرسي لـ "إيجيبتك": الحل الوحيد لبقاء قادة إيران على قيد الحياة هو إنقطاع الإنترنت عن البلاد كليا ورسميا، فالإسرائيليون يستطيعون الولوج إلى أي راوتر في أي منزل إيراني والوصول إلى المعلومات التي يحتاجونها.
وتضيف المرسي الحل الوحيد المتبقي أمام إيران هوإعادة تجربة احتجاجات البازار، وتحويل الدولة إلى كيان معزول بالكامل عن الشبكة العالمية على غرار نموذج كوريا الشمالية وسور الصين العظيم الرقمي. ولكن العائق الأكبر أمام هذا القرار المصيري هو رغبة إيران في الاستمرار بإيصال صور جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل وأمريكا بحق المدنيين إلى الرأي العام العالمي بالإضافة إلى تفوقها العسكري الذي يتم تعتيمه عربيا ودوليا، وهو ما يجعل قرار الإغلاق الرقمي الشامل بمنزلة انتحار إعلامي يعيق كشف الحقائق ومع ذلك أعتقد أن قرار العزلة بات قاب قوسين أو أدنى.
عزلة فعلية
أما الآن، ومع تولي مجتبى خامنئي (56 عامًا) المنصب، تتخذ العزلة أبعادًا أكثر صرامة: حيث لم يظهر المرشد الجديد في فيديو أو صوت حي حتى الآن، أُصدرت رسالته الأولى (12 مارس) بصوت مذيع تلفزيوني بجانب صورة ثابتة، دون تسجيل شخصي، ولم تُنشر له صور جديدة له منذ تعيينه، خوفا من استهدافه.
وهو ما أدخله في عزلة فعلية، حيث تشير تقارير استخباراتية أمريكية وإسرائيلية بأنه "مصاب ومعزول ولا يرد على الرسائل الموجهة إليه"، مما يعكس احتياطات أمنية قصوى تشمل تجنب أي تواصل رقمي .
و يُعقد المرشد الجديد اجتماعات سياسية خارجية "دون توضيح ما إذا كان يحضر شخصيًا أم عن بعد"، وفق مسؤولين إيرانيين.
أما الرئيس مسعود بزشكيان، فيعتمد على قنوات رسمية محدودة (مثل منشورات على منصة X)، لكنه يواجه التهديد نفسه. أُصيب سابقًا بسبب رصد اجتماع عبر الكاميرات، ويحرص على تجنب أي تعرض رقمي شخصي مباشر. الرئاسة الإيرانية عمومًا تعتمد الآن على وسطاء وأنظمة "معزولة عن الشبكة" (air-gapped) للتواصل الداخلي.
تعزيز السرية وبطء القرارات
تأتي هذه العزلة كرد فعل مباشر على نجاح إسرائيل في استغلال البنية التحتية الرقمية التي بنتها إيران أصلاً لمراقبة مواطنيها، يرى محللون أن القادة يعتمدون الآن على الرسل البشريين، والاجتماعات السرية في أماكن غير متصلة، والابتعاد التام عن الهواتف الذكية والإنترنت.
هذا يعزز السرية، لكنه يعيق اتخاذ القرارات السريعة ويثير تساؤلات داخلية حول قدرة المرشد الجديد على الإدارة الفعالة، في الوقت نفسه، تستمر إيران في فرض انقطاعات جزئية على الإنترنت للجمهور، فيما يبدو أن القيادة تتجه نحو "عزلة رقمية مطلقة" لحماية نفسها.
وفي الوقت ذاته يرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية قد تطيل عمر النظام أمام التهديدات، لكنها تعكس أيضًا ضعفًا في مواجهة التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي.