رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

هناك أشياء لا تُقال، ليس لأن اللغة تعجز عنها، بل لأن قولها يُفسدها. بعض المشاعر خُلقت لتُحفظ، لا لتُعلن؛ لتُعاش في الداخل لا لتُعرض على السطح. هكذا يكون الحب في أنقى صوره: سرًّا جميلاً، لا تفضحه الكلمات ولا تبوح به العيون، لكنه يملأ القلب حتى آخره، ويعيد ترتيب العالم من الداخل دون أن يلحظه أحد. هو ليس عجزًا عن البوح، بل إدراك عميق بأن بعض المعاني إذا خرجت من صمتها، فقدت شيئًا من قدسيتها، وانكسرت حدّتها الأولى.

أحبك في تلك المساحة التي لا يصل إليها الضجيج، حيث لا أسماء تُتداول ولا حكايات تُروى، فقط إحساس صافٍ ينمو بهدوء. كالبذور التي تختبئ في عمق الأرض، لا تُرى، لكنها تُعدّ نفسها للحياة. لا تحتاج إلى تصفيق ولا إلى اعتراف، يكفيها أن تجد مكانها الآمن في العتمة، حيث تنضج بعيدًا عن عيون العابرين. هناك، في هذا العمق، يتحول الحب من شعور عابر إلى كيان مستقر، من رغبة مؤقتة إلى يقين ممتد، لا يهتز مع أول اختبار ولا يبهت مع أول مسافة.

ومع الوقت، لا يبقى هذا الحب كما بدأ، بل يتغير دون أن يضعف. يصبح أكثر هدوءًا، لكنه أكثر رسوخًا. أكثر صمتًا، لكنه أكثر امتلاءً. لا يعود في حاجة إلى لحظات استثنائية ليؤكد نفسه، لأنه يتسلل إلى العادي واليومي، إلى التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد. يصبح جزءًا من طريقتك في العيش، في ردود أفعالك، في صبرك على الأشياء التي كانت تستفزك، في نظرتك الأكثر اتساعًا للعالم. كأن هذا الشعور يعيد تشكيلك ببطء، دون أن يعلن عن نفسه.

في زحام الأيام، حين تتغير الوجوه وتبهت العلاقات وتتبدل الأولويات، يظل هذا الشعور ثابتًا كأنه خارج الزمن. لا يعلو صوته، لكنه لا يخفت. يمر اسمك في خاطري كنسمة لا تُرى، لكنها تترك أثرًا واضحًا: ابتسامة خفيفة، أو سكون مفاجئ، أو دعاء صامت في ليل طويل. وأحيانًا، دون سبب ظاهر، أشعر بأنني لست وحدي تمامًا، كأن هناك حضورًا خفيًا يرافقني، لا يتكلم، لكنه يمنحني نوعًا من الطمأنينة التي لا تُفسَّر.

هذا النوع من الحب لا يطلب كثيرًا، لكنه يمنح الكثير. لا يلحّ، ولا يضغط، ولا يدخل في صراعات لإثبات نفسه. هو ليس معركة تُخاض، بل حالة تُعاش. لذلك لا يُرهق القلب، بل يسنده. لا يُثقله بالتوقعات، بل يحرره منها. هو حب لا يخاف من الصمت، لأنه يعرف أن الصمت هنا ليس غيابًا، بل امتلاء من نوع آخر، امتلاء لا يحتاج إلى صوت.

ولأنه لا يعتمد على الخارج، فإنه لا ينهار بتغيره. يمكن للأيام أن تسرق المسافات، ويمكن للظروف أن تعيد ترتيب كل شيء، لكن ما استقر في الداخل لا يتأثر بسهولة. هذا الحب لا يقاس بعدد اللقاءات، ولا بطول الحديث، بل بعمق الأثر. وكلما كان أعمق، كان أبقى. لذلك لا أخشى عليه من الغياب، لأن حضوره لا يرتبط بالحضور الظاهري أصلًا، بل بجذور ممتدة في الداخل، يصعب اقتلاعها.

لن يعرف أحد كيف يسكن اسمك بين أضلعي، ولا كيف تمر تلك القشعريرة الهادئة كلما اقترب طيفك من الذاكرة. هناك تفاصيل لا تُشرح، لأنها لو شُرحت لفقدت معناها. ما يحدث في الداخل أعمق من أن يُترجم، وأصدق من أن يُختصر. هو ذلك الشعور الذي لا يحتاج إلى رواية، لأنه لا يُختزل في أحداث، بل يُعاش كحالة مستمرة، كنبض خافت لكنه لا يتوقف.

أحيانًا أشعر أن القلب يحتفظ بك كجزء من توازنه، كأن وجودك فيه يمنع شيئًا من الانهيار. ليس لأنني ضعيف بدونك، بل لأنك أصبحت جزءًا من هذا البناء الداخلي الذي يستند عليه كل شيء. حضورك ليس طارئًا، بل متجذر، ليس إضافة، بل عنصر أساسي في معادلة لا تكتمل بدونه.

أبقيك سرًّا جميلًا، لا خوفًا منك ولا عليك، بل لأن بعض الجمال لا يليق به إلا أن يُصان. هناك أشياء إن خرجت إلى العلن استهلكها الكلام، وإن بقيت في القلب ازدادت صفاءً وقوة. الحب الذي لا يُعرض، لا يُقارن، ولا يُرهق نفسه بالدفاع عن وجوده. هو فقط يكون… بثقة هادئة، وبحضور لا يحتاج إلى ضوء. لا يبحث عن إثبات، لأنه ليس محل شك، ولا يسعى لأن يُفهم، لأنه مكتمل في ذاته.

وفي هذا العالم الذي ينسى سريعًا، أختار أن أحفظك في مكان لا يصل إليه النسيان. لا تمسه يد الفقد، ولا تعبث به تقلبات الأيام. مكان لا يُرى، لكنه الأكثر حقيقة في داخلي. هناك، حيث لا تصل الفوضى، ولا تتسلل هشاشة الواقع، يبقى هذا الشعور نقيًا كما وُلد، وكأنه خارج الزمن، لا يتغير بتغير المراحل، ولا يضعف مع تكرار الأيام.

وربما لهذا السبب تحديدًا، يظل ما بيننا حيًا كما لو أنه وُلد الآن. لا يشيخ، لأنه لم يُستهلك. لا يبهت، لأنه لم يُعرض. لا ينتظر اعترافًا، لأنه لا يشعر بالنقص. هو مكتفٍ بذاته، ممتد في داخلي كشيء لا يمكن اقتلاعه، كحقيقة لا تحتاج إلى برهان، كيقين لا يهتز.

هو ليس مجرد حب…
بل حالة بقاء

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء