في الأسبوع الماضي، بدأت معكم رحلة حاولت فيها أن أطرح سؤالًا ظل يرافقني لعقود: هل نحن، في هذا الجزء من العالم، مجرد متلقين للعلم، أم أننا كنا يومًا صانعين له؟ وقد بدا لي، كلما تعمقت، أن هذا السؤال ليس أكاديميًا بقدر ما هو وجودي؛ لأنه يمس صورتنا عن أنفسنا، وعن موقعنا في التاريخ.
واليوم، أجدني مدفوعًا لأن أخطو خطوة أبعد داخل هذا السؤال، لا لأجيب عنه مباشرة، بل لأفكك أحد أكثر مفاهيمه التباسًا: ما الذي نعنيه حين نقول "العلم الإسلامي"؟ هل هو علم بالمعنى الذي نعرفه اليوم؟ أم أنه مجرد مرحلة انتقالية، جسر عبرت عليه المعرفة من اليونان إلى أوروبا؟ أعترف لكم أن هذا السؤال لم يبدأ في الكتب، بل بدأ في داخلي. في سنواتي الأولى كأستاذ للكيمياء بجامعة القاهرة، كنت أعيش حياة علمية واضحة المعالم: معادلات دقيقة، تجارب محكومة، ومنهج صارم لا يعترف إلا بما يمكن قياسه وإثباته. كان المعمل عالمي، وكان الشك المنهجي هو طريقتي لفهم الكون.
لكن، في هدوء المساء، كان عالم آخر يفتح أبوابه. لم أكن أقرأ عن التفاعلات الكيميائية، بل عن تاريخ العلم؛ عن سير العلماء، عن نصوص قديمة، عن أفكار كُتبت في عصور بعيدة. قرأت لجورج سارتون، وتأملت في أعمال رشدي راشد، وأفكار عبد الحميد صبرة. توقفت طويلًا أمام نصوص ابن سينا وابن النفيس. ولم أكن أقرأ كمن يستعرض الماضي، بل كمن يبحث عن شيء مفقود.
شيئًا فشيئًا، بدأ القلق يتسلل إلى هذا التوازن الظاهري. هل ما أدرسه في المعمل منفصل حقًا عما أقرأه في تلك الكتب؟ هل العلم الذي أمارسه اليوم وُلد فجأة في أوروبا الحديثة، بلا جذور تمتد إلى ما قبلها؟ أم أن هناك خيطًا خفيًا يربط بين كل ذلك، لكننا لم ننتبه إليه لأننا تعودنا أن نرى التاريخ في صورة انقطاعات لا في صورة استمرارية؟ لم تقنعني الإجابات الجاهزة. لم أقتنع بمن اختزلوا تراثنا في مجرد نقل للمعرفة اليونانية، كما لم أرتح لمن اكتفوا بالاحتفاء العاطفي دون تفسير علمي حقيقي. كنت أبحث عن شيء ثالث: تفسير يعيد تركيب الصورة، لا يكتفي بترديدها.
ومن هنا بدأت تتشكل لدي فكرة أطرحها عليكم اليوم ببساطة، رغم أن الوصول إليها لم يكن بسيطًا: ما نسميه "العلم الإسلامي" ليس مرحلة عابرة، ولا مجرد جسر، بل هو تقليد علمي متصل، له منطقه الداخلي، وله أدواته، وله إسهامه الحقيقي في فهم الإنسان للعالم. هذا التقليد لم يبدأ فجأة مع حركة الترجمة في العصر العباسي، ولم ينتهِ بسقوط بغداد. إنه أعمق من ذلك بكثير، وأقدم، وأطول عمرًا. إنه يشبه نهرًا يتدفق عبر الزمن، تتغير مياهه لكن يبقى مجراه.
حين حاولت تتبع هذا النهر، وجدت نفسي أعود إلى نقطة لم أكن أتوقعها: مصر القديمة. هناك، قبل أن تُصاغ كلمة "علم" بمفهومها الحديث، كان هناك نوع من المعرفة العملية المنظمة: حرفيون يصهرون المعادن بدقة، أطباء يركبون الأدوية بمقادير محسوبة، وكتبة يوثقون الخبرة ويورثونها. لم تكن هذه مجرد مهارات، بل كانت طريقة في التعامل مع العالم، قائمة على الملاحظة والتجربة والتحول. ثم جاءت الإسكندرية، حيث التقت هذه الخبرة العملية بالفلسفة اليونانية، فظهر نمط جديد من التفكير جمع بين المادة والمعنى، بين التجربة والتأمل. ومن هذا اللقاء وُلدت الخيمياء، لا كخرافة، بل كمحاولة لفهم المادة وقوانين تحولها. وعندما انتقل هذا التراث إلى الحضارة الإسلامية، لم يُحفظ فقط، بل أُعيد بناؤه. في بغداد والقاهرة وقرطبة، تحولت الممارسات إلى نظريات، والملاحظات إلى مناهج، والمعرفة إلى مؤسسات. لم يعد العلم مجرد خبرة متراكمة، بل أصبح مشروعًا فكريًا متكاملًا.
والأهم من ذلك أن هذا المشروع لم يكن منفصلًا عن الإنسان. لم يكن العلم فيه مجرد أداة للسيطرة على الطبيعة، بل وسيلة لفهمها والتعايش معها، في إطار أخلاقي يرى في الإنسان مسؤولًا لا مالكًا مطلقًا. قد يبدو هذا الحديث أقرب إلى إعادة قراءة للماضي، لكنه في الحقيقة موجه إلى الحاضر والمستقبل. لأن الطريقة التي نفهم بها تاريخ العلم تحدد الطريقة التي نرى بها أنفسنا اليوم. فإذا صدقنا أننا كنا مجرد ناقلين، سنظل نتصرف كناقلين. أما إذا أدركنا أننا كنا شركاء في صنع المعرفة، فقد نبدأ في استعادة هذا الدور. لهذا، لم أكتفِ بالقراءة التقليدية، بل حاولت أن أرى الصورة من زاوية جديدة، مستعينًا بأدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي، لا لكي تحل محل العقل البشري، بل لكي تساعده على اكتشاف أنماط لم يكن من الممكن رؤيتها من قبل. كانت هذه الأدوات كمن يوسع مجال الرؤية، لكنها لا تفسر؛ التفسير يظل مسؤوليتنا نحن.
ما خرجت به من هذه الرحلة لم يكن مجرد نتائج علمية، بل إحساس عميق بالانتماء. أدركت أن علاقتي بالعلم ليست علاقة طارئة، وأن ما أمارسه اليوم في المعمل هو، بشكل ما، امتداد لقصة بدأت على هذه الأرض منذ آلاف السنين. ليس في هذا أي ادعاء بالتفوق، بل دعوة لفهم الاستمرارية. فالعلم، في جوهره، جهد إنساني مشترك، لكن لكل حضارة دورها فيه. ودورنا لم يكن هامشيًا كما صُوِّر لنا.
في المقال القادم، سنعود معًا إلى بداية هذا النهر، إلى مصر القديمة، لنرى كيف وُضعت أولى اللبنات في هذا البناء الطويل. ربما نكتشف هناك أن ما نظنه بداية متواضعة، كان في الحقيقة أصل الحكاية كلها.