رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

يباهي المصريون دول العالم بمدنهم العريقة. الإسكندرية إحدى أقدم مدن العالم، التي كانت عروس البحر المتوسط، والآن صارت أرملة البحر المتوسط!! والقاهرة إحدى أقدم المدن الإسلامية. لكن منذ عقود تغيرت ملامح المدينتين ومدن مصرية أخرى. تحولت الشوارع إلى زحام وخليط يستحق أن يطلق عليه: سمك، لبن، تمر هندي، أي خليط لا علاقة لكل جزء منه بالآخر ولا يجب أن يجتمعوا، لكنهم اجتمعوا في شوارع مصر، في مدنها الكبيرة. سأتناول هنا شوارع القاهرة، أكبر مدينة أفريقية وعربية، تجتمع فيها وتتداخل الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية إلى درجة تجعل منها مرآة دقيقة لحياة المصريين بكل تناقضاتها. في الصباح الباكر تبدأ الحركة وكأن أحدًا ضغط زر التشغيل لمدينة كاملة دفعة واحدة، سيارات تتدفق من كل الاتجاهات، قطارات مترو ممتلئة حتى الأبواب، موجات بشرية قادمة من المحافظات المحيطة تبحث عن عمل أو رزق أو فرصة جديدة.

ما إن تخطو في أحد شوارع القاهرة الجانبية أو الرئيسية حتى تواجه مشهدًا صار مألوفًا إلى درجة أننا لم نعد نتوقف عنده طويلًا: الأرصفة اختفت تحت طبقات من البضائع، الطرق ضاقت بسبب عربات الخضار والملابس والطعام، الباعة الجائلون أصبحوا جزءًا أساسيًا من المشهد الحضري. هنا يبيع أحدهم الفاكهة، وهناك آخر يفرش أحذية أو ملابس، وعلى بعد خطوات يقف شاب خلف عربة فول أو شاي. الشارع نفسه يتحول إلى سوق مفتوحة بلا بداية واضحة ولا نهاية.

هذه الحالة يصفها المصريون ساخرين بعبارة "سمك لبن تمر هندي"، وهي ليست مجرد صورة بلاغية، بل توصيف دقيق لحالة التداخل والفوضى التي تعيشها الشوارع في قلب العاصمة. فكل شيء موجود في المكان نفسه وفي الوقت نفسه، التجارة، المرور، المشاة، الضجيج، والمطاردات المتقطعة بين الباعة وحملات ضعيفة من المحليات وشرطة المرافق.

على الرغم من أن المشهد يبدو عشوائيًا، إلا أنه في الحقيقة يخضع لنظام خفي غير مكتوب. فالبائع الذي يقف في زاوية معينة يعرف حدود مساحته، ويعرف متى يختفي إذا ظهرت حملة إزالة. وهو لا يعمل وحده، بل ضمن شبكة أكبر من المستويات التنظيمية والعلاقات الاقتصادية غير الرسمية. هناك من يؤجرون الأماكن على الأرصفة، وهناك من يفرضون إتاوات مقابل الحماية، وهناك من يستخدم نفوذًا أو علاقات تسمح لهذا السوق غير الرسمي بأن يستمر بدون انقطاع.

المشكلة لا تتلخص في بائع بسيط يبحث عن رزقه، هي أزمة تمتد إلى اقتصاد ظل واسع، اقتصاد يعيش خارج القوانين الرسمية لكنه يتغلغل في الحياة اليومية للمدينة. اقتصاد يعكس بدوره أزمة أكبر، أزمة التخطيط الحضري، أزمة توزيع الفرص الاقتصادية، وأزمة إدارة المجال العام.

القاهرة مثل كثير من العواصم الكبرى في العالم النامي، تعاني من ظاهرة الهجرة الداخلية المكثفة. فكل يوم يأتي آلاف الأشخاص من القرى والمدن الصغيرة إلى العاصمة بحثًا عن فرصة. المدينة تبدو لهم مثل مغناطيس ضخم يجذب الجميع. لكن سوق العمل الرسمية لا تستطيع استيعاب هذه الأعداد، فيتحول الشارع إلى البديل الطبيعي. الرصيف يصبح متجرًا، والعربة الصغيرة تتحول إلى مشروع اقتصادي كامل، الكشك يمتد ليصير محلًا بدون ترخيص أو ضرائب أو حتى فواتير كهرباء، وكل ذلك خارج القانون.

هنا نطرح سؤالًا: هل السلطات المنبثقة من الحكومة تريد شوارع منظمة؟ لا أعلم، لأنها لو كانت تريد ذلك لسعى كل فرد في المنظومة التي تحكم الشارع للتنفيذ. لكننا نرى ونشاهد ونتابع أن الشوارع صارت في صورة غير مقبولة. هل هناك قوة تجبر الحكومة على استمرار هذا الوضع، أو تضخمه؟!! إن تجار الملابس المستعملة – البالة – على سبيل المثال يطبقون خططًا ممنهجة للاستيلاء على شوارع بأكملها وتحويلها إلى أسواق، لا يكتفون بالشوارع، يشترون أو يستأجرون محلات لإيجاد مبرر لفرش البضاعة أمام محلاتهم، كما يحمون أنفسهم بالفقراء الذين يشترون من أسواقهم، وهم نسبة كبيرة من المواطنين، ولا نستبعد وجود تواطؤ بين البعض في الأجهزة وبين التجار الذين يديرون الباعة.

الحقيقة أن اقتصاد المدينة يعتمد جزئيًا على هذا النشاط غير الرسمي. لذلك تتحول المواجهة بين الباعة والسلطات غالبًا إلى حملات مؤقتة، وقد تختفي بعدها المشكلة لساعات، ثم تعود بقوة أكبر. إنها ليست معركة يمكن حسمها بالقرارات السريعة أو الحملات الموسمية. لأن تجارب العالم تقدم دروسًا مهمة في هذا المجال. فمدن كثيرة واجهت الظاهرة نفسها، بعضها كان أشد فوضى مما نراه في القاهرة.

في سنغافورة كانت الشوارع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مليئة بالباعة الجائلين الذين يحتلون الأرصفة والطرق. لكن الحكومة هناك طبقت أسلوبًا مختلفًا، فبدلًا من المطاردة المستمرة، قامت بإعادة تنظيم النشاط بالكامل. أنشأت ما يعرف بأسواق الطعام الشعبية المنظمة، أو مراكز الهوكر. نقلت آلاف الباعة إلى أماكن مخصصة ومجهزة بالبنية الأساسية، ومنحتهم تراخيص واضحة مقابل الالتزام بالنظام والنظافة ودفع رسوم رمزية. بعد سنوات قليلة تحولت هذه الأسواق إلى جزء من هوية المدينة نفسها، بل أصبحت مقصدًا سياحيًا عالميًا.

في العاصمة التايلاندية بانكوك، كانت الأرصفة لسنوات طويلة شبه مغلقة بسبب الباعة. لكن السلطات هناك بدأت برنامجًا تدريجيًا لإعادة توزيعهم، فخصصت مناطق معينة يسمح فيها بالبيع، بينما أعادت فتح الشوارع الحيوية للحركة المرورية. لم يكن الحل مثاليًا بالكامل، لكنه نجح في تقليل الفوضى دون القضاء على مصدر رزق آلاف الأسر.

وواجهت إسطنبول المشكلة بطريقة مختلفة. فبدلًا من القضاء الكامل على البيع في الشوارع، قامت البلديات بتنظيمه ضمن إطار قانوني واضح. أصبح للبائعين تصاريح محددة، وأماكن محددة، وساعات عمل محددة. بهذه الطريقة بقيت الأسواق الشعبية جزءًا من الحياة اليومية للمدينة، لكنها لم تعد تعطل الحركة أو تحتل المجال العام بلا حدود.

المشكلة ليست في وجود الباعة الجائلين بحد ذاته، بل في غياب التنظيم. فالاقتصاد الشعبي جزء طبيعي من حياة المدن الكبيرة، لكنه يحتاج إلى قواعد واضحة حتى لا يتحول إلى فوضى دائمة.

لكن العنصر الأهم في المعادلة، كسر شبكات النفوذ التي تحمي هذا الاقتصاد العشوائي. فطالما ظل الرصيف مصدر دخل خفي لبعض أصحاب السلطة أو النفوذ، فإن أي محاولة للتنظيم ستظل ناقصة.

رفعت رشاد

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء