رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


عندما تضع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية أوزارها، سيكون وقف إطلاق النار بدايةً لمرحلة جديدة لا تقل تعقيدًا عن الحرب نفسها. فبينما تتجه الأنظار إلى وقف القتال، تبدأ معركة أخرى أكثر هدوءًا لكنها لا تقل شراسة، معركة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وإعادة ترتيب التحالفات في منطقة اشتعلت فيها نيران الصراع. هذه المرحلة لن تكون عودةً ببساطة إلى ما قبل الحرب، بل الدخول في عالم جديد مختلف جوهريًا، وسيكون لمصر دور محوري في تشكيل ملامح هذه المرحلة.

إن سلاسل الإمداد العالمية، التي مزقتها الحرب، لن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب بالسرعة المرجوة. فبجانب نقص المعروض بسبب توقف التوريدات أثناء النزاع، سينشأ "انفجار في الطلب" نتيجة لجوء الدول والشركات إلى سياسة "التحوط المستقبلي" بتكوين مخزون استراتيجي مضاعف تحسبًا لأي صراع قادم. هذا السلوك سيخلق ضغطًا هائلًا على سلاسل الإمداد، مما يطيل أمد ارتفاع الأسعار.

على صعيد الطاقة، سيكون المشهد أكثر حدة. فخلال الحرب، لجأت دول منتجة إلى بند "القوة القهرية" لتعليق التزاماتها التصديرية. وعندما تتوقف الحرب، سيجد العالم نفسه أمام معادلة صعبة: أسعار عالمية لن تتراجع بسرعة، فأسعار الطاقة ستظل مرتفعة لفترة، ليس فقط لتعويض التوقف، بل لأن الدول المستوردة الكبرى ستتسابق لرفع مخزونها الاستراتيجي. ولمجابهة هذا الطلب الاستثنائي، تحتاج الدول المنتجة إلى استثمارات ضخمة وسريعة في البنية التحتية للنفط والغاز لضمان سرعة التدفق.

ويُقدَّر قيمة سوق النفط والغاز بنحو 4.44 تريليون دولار في 2024، ومن المتوقع أن ينمو إلى 15.5 تريليون دولار بحلول 2032 بمعدل نمو سنوي مركب 16.35%. ويبلغ متوسط الطلب العالمي على النفط في 2026 نحو 105.17 مليون برميل يوميًا، مع توقعات بنموه بمقدار 860 ألف برميل يوميًا. وتتصدر المملكة العربية السعودية قائمة أكبر الدول المصدرة بصادرات بلغت 6.09 مليون برميل يوميًا في 2025، وتمتلك 15-17% من الاحتياطي العالمي، وتأتي روسيا كثاني أكبر مصدر بـ 5.06 مليون برميل يوميًا رغم العقوبات، تليها كندا (خامس أكبر منتج عالميًا بـ 5.58 مليون برميل يوميًا)، ثم العراق (رابع أكبر منتج بـ 4.52 مليون برميل يوميًا، ورابع أكبر احتياطي عالمي).

ومن حيث الاحتياطيات، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي عالمي يبلغ 303.8 مليار برميل (18% من الإجمالي)، تليها المملكة العربية السعودية بـ 297.5 مليار برميل، ثم إيران بـ 208.6 مليار برميل، والعراق بـ 145 مليار برميل، والكويت بـ 101.5 مليار برميل، والإمارات بـ 97.8 مليار برميل، وليبيا بـ 48.4 مليار برميل. وبسبب التطورات الجيوسياسية، قررت وكالة الطاقة الدولية سحب 400 مليون برميل من المخزونات الطارئة لمواجهة تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز بسبب الحرب، ما كشف حساسية السوق، حيث إن هذه الكمية تكفي أقل من 4 أيام فقط من الاستهلاك العالمي.

أما الاستثمارات الأجنبية، فستعاني من حالة حذر شديد تجاه منطقة قد تلتهب في أي لحظة. فالمستثمر بطبيعته يكره المجازفة، والاستثمار في منطقة ملتهبة قد تثور في أي لحظة بسبب طبيعتها الجيوسياسية سيكون بمثابة مخاطرة كبيرة. سيكون رأس المال الأجنبي حذرًا، بل خائفًا، مما سيعيق عملية إعادة البناء ويؤثر سلبًا على اقتصاديات دول المنطقة. هنا يبرز دور أكثر جرأة للمؤسسات التمويلية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، الذي يجب ألا يكتفي بدور المقرض التقليدي، بل عليه أن يلعب دور الضامن والمحفز. وفي النهاية، ستضطر دول المنطقة إلى إعادة هيكلة اقتصاداتها بشكل أكثر مرونة، والاتجاه الجاد نحو تنويع مصادر دخلها، وبناء بنى تحتية اقتصادية مختلفة قادرة على الصمود أمام صدمات القوة القهرية.

وفي محاولة لإنعاش الاقتصاد بسرعة، ستتجه الأنظار إلى قطاع السياحة كرافد سريع للعملة الصعبة. لكن جذب السياحة بعد حرب مدمرة ليس بالأمر الهين. ستضطر الدول إلى استخدام أدوات عدة، تتراوح بين رفع كفاءة المطارات والبنية التحتية السياحية التي تضررت أثناء الحرب، إلى تخفيض قيمة الليلة الفندقية لجذب الزوار. هذه الفاتورة المالية الثقيلة تعني أن قطاع السياحة سيحتاج وقتًا طويلًا لاستعادة اتزانه والعودة إلى مستويات ما قبل الحرب.

هذا وتُعد دول الخليج المحرك الرئيسي لنمو السياحة في المنطقة العربية، حيث سجلت المنطقة العربية ككل أسرع معدل تعافٍ سياحي في العالم بعد الجائحة، مع وصول عدد السياح الدوليين إلى نحو 100 مليون سائح في عام 2025، بزيادة 39% عن 2019.

أما مصر، فقد حققت أداءً استثنائيًا في قطاع السياحة، حيث استقبلت نحو 19 مليون سائح في عام 2025، محققة نموًا بنسبة 21% مقارنة بعام 2024، وهو معدل يفوق بكثير متوسط النمو العالمي (5%). وبلغت الإيرادات السياحية 24 مليار دولار في 2025، بنمو 57% عن العام السابق.

أكثر ما سيتغير في مرحلة "ماذا بعد" هو الخرائط السياسية. فالحرب لن تنتهي ليعود كل شيء إلى سابق عهده، بل ستفرز تحالفات سياسية جديدة ومتنوعة على المستويين الإقليمي والعالمي. ستكون هذه التحالفات أكثر واقعية، ومبنية على المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية الراسخة، وليس على الشعارات فقط. سنشهد محاولات لخلق موازين قوى جديدة للتعامل مع ما قد يتحول أو يظهر من تهديدات في أي وقت.

في النهاية، لن تكون مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية مجرد عودة إلى الوضع السابق، بل دخولًا في عصر جديد تتغير فيه قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية. ومع تعقيدات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، وحذر الاستثمارات الأجنبية، تبرز الحاجة إلى سياسات مرنة وقادرة على التكيف مع المتغيرات.

في هذا السياق، تمتلك مصر من المقومات ما يمكنها من تحويل تحديات المرحلة إلى فرص استراتيجية، مستندةً إلى موقعها الجغرافي الفريد، وبنيتها التحتية الحديثة والواعدة، واستقرارها السياسي، وعلاقاتها الدولية المتوازنة، وخبراتها المتراكمة في ملفات إعادة الإعمار. إن نجاح مصر في استثمار هذه المقومات سيمكنها من لعب دور محوري في إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والسياسية للمنطقة، وبناء تحالفات جديدة أكثر صلابة وقدرة على مواجهة ما قد يتحول أو يظهر من تهديدات في أي وقت.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء