دور حوزة "قم" في قرار التفاوض.. هل نسي مجتبى خامنئي فاجعة أبيه؟
رغم الضربات العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية، على إيران، والتي أودت بحياة المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي، وعدد من كبار القادة العسكريين منذ أواخر فبراير 2026، فإن إيران وافقت على فتح مسار دبلوماسي مفاجئ.
مفاوضات لإنهاء النزاع

في تطور غريب، وافق المرشد الجديد آية الله مجتبى خامنئي على إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي النزاع، وفق ما أبلغ به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف.
يأتي هذا القرار في سياق حرب استمرت أسابيع، شملت ضربات على منشآت نووية ومراكز قيادية، وأدت إلى مقتل المرشد السابق ووزير الدفاع عزيز ناصر زادة وقائد الحرس الثوري محمد باقبور، ومع ذلك، لم يمنع ذلك النظام من الانتقال السريع إلى الدبلوماسية، بل جعلها أداة للحفاظ على بقائه.
دور المرشد والسلطة الدينية
يحظى المرشد الأعلى في إيران بموجب مبدأ «ولاية الفقيه» بسلطة مطلقة على القرارات الاستراتيجية، بما فيها السياسة النووية والعلاقات الخارجية، كان علي خامنئي نفسه قد وافق على بدء مفاوضات غير مباشرة مع إدارة دونالد ترامب في مارس 2025، بعد تحذيرات مستشاريه من أن رفض الحوار قد يؤدي إلى انهيار النظام بسبب الأزمة الاقتصادية والتهديد العسكري.
لكنه حافظ على خطاب متشدد، رافضاً أي تنازل عن حق التخصيب، ووصف المطالب الأمريكية بـ«الخيالية» و«المهينة»، وبعد مقتله في الضربات الأولى للحرب في 28 فبراير 2026، انتقلت السلطة إلى ابنه مجتبى خامنئي، الذي تولى المنصب بقرار من مجلس خبراء القيادة.
وفي خطوة غير متوقعة، أعطى مجتبى الضوء الأخضر للمفاوضات، بعد أن رفض تماما في البداية، وخصوصا بعد اغتيال أبيه وزوجته وابنه، إلا أنه عاد ووافق «لإنهاء الحرب بسرعة وفق الشروط الإيرانية»، مما يعكس تحولاً عملياً يضع بقاء النظام فوق الخطاب الثوري.
مجتبى والحوزة

يُعتبر مجتبى، الذي درس في الحوزة ويحمل خلفية أمنية - عسكرية، امتداداً لنموذج والده، لكنه يدير الآن فريقاً من «رجال المرشد» ذوي الخلفيات العسكرية والأمنية الذين يشرفون مباشرة على كل من الحرب والتفاوض.
ويؤكد محللون أن «من يحاربون هم من يديرون المفاوضات»، وأن الرسائل الأولى وصلت عبر قنوات أمنية قبل أن تدخل وزارة الخارجية.
دور الحوزة الدينية في قم
تُشكل الحوزة العلمية في قم العمود الفقري الأيديولوجي للنظام الإيراني منذ الثورة 1979، فهي لا تُدرب فقط العلماء والفقهاء، بل توفر التبرير الديني لكل قرارات الدولة، وتُنتج النخب السياسية والدينية.
وفي أعقاب مقتل علي خامنئي، لعبت الحوزة دوراً حاسماً في عملية انتقال السلطة، فمجلس خبراء القيادة (المكون من 88 عالماً دينياً كباراً معظمهم من خريجي قم) هو الجهة الدستورية الوحيدة المخولة باختيار المرشد الجديد.
يُشار إلى أن «رجال الحوزات» يسعون للتأثير في القرار دون احتكاره، وهم أحد التيارات الرئيسية المنافسة إلى جانب الحرس الثوري والإصلاحيين والتيار الخميني. ويمنحهم موقعهم الديني قدرة على تشكيل الرأي العام والشرعية الشعبية لأي قرار، بما في ذلك التفاوض مع «الشيطان الأكبر». ومجتبى خامنئي نفسه نشأ في بيئة الحوزة، وتأثر بمعلمين مثل آية الله مصباح يزدي، مما يجعل قراره يحظى بغطاء ديني قوي.
في الواقع، كانت خطب صلاة الجمعة (التي تُصدر عادة بتوجيه من مكتب المرشد) قد قللت سابقاً من فرص الدبلوماسية، لكنها اليوم تتوافق مع التوجه الجديد نحو «الحفاظ على الجمهورية الإسلامية» بأي وسيلة ضرورية. ويُرى في ذلك دليلاً على أن الحوزة، كمؤسسة، تقدم الغطاء الشرعي للقرار البراغماتي الذي اتخذه المرشد الجديد.
لماذا التفاوض «رغم كل ما حدث»؟
يُفسر المحللون القرار بضرورة البقاء، فالحرب أضعفت الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات، وأدت إلى خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، وفتحت الباب أمام خطر انهيار داخلي.
ويُشير خبراء إلى أن النظام يرى في المفاوضات «مخرجاً» يسمح برفع جزئي للعقوبات مقابل تنازلات نووية محدودة، دون التخلي عن «حق التخصيب».
كما أن السيطرة المباشرة لـ«رجال المرشد» العسكريين على الملف تضمن أن التفاوض لن يُفسر كضعف، بل كاستراتيجية لإعادة بناء القوة.
يُمثل قرار مجتبى خامنئي بالتفاوض تحولاً تاريخياً في سياسة إيران الخارجية، لكنه لا يخرج عن الإطار التقليدي: سلطة المرشد المطلقة مدعومة بشرعية الحوزة الدينية.
فالحوزة في قم لم تكن مجرد شاهد، بل شريك أساسي في منح الغطاء الديني والشعبي لقرار يهدف إلى إنقاذ النظام بعد أكبر أزمة تواجهه منذ 1979.
ومع استمرار الجولات التفاوضية في جنيف ومسقط، يبقى السؤال: هل ستنجح هذه الدبلوماسية «المحمية بالحوزة والحرس» في إنهاء الحرب، أم أنها مجرد مرحلة أخرى في صراع طويل الأمد؟