رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل يكون خط «سوميد» كلمة السر في تأمين إمدادات النفط لمصر؟|تقرير

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

تستهدف حقول النفط والغاز في منطقة الخليج، إعادة تأهيل وعمليات التوزيع في المنطقة، في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق، وتهديدات بإغلاق مضيق هرمز أو إعادة تشكيل قواعد الملاحة فيه، وفي الوقت ذاته تجد مصر نفسها أمام معادلة معقدة تتعلق بتدبير احتياجاتها من الطاقة، في ظل أزمة عالمية تهدد استقرار اقتصادات الدول.

فمصر، كواحدة من أكبر الدول المستوردة للطاقة، تواجه ارتفاعًا حادًا في تكاليف الاستيراد، وضغوطًا على النقد الأجنبي، في وقت تتراجع فيه إيرادات قناة السويس والسياحة، مما يعمق من مخاطر التضخم والركود.

ويرى خبراء في قطاع الطاقة في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» أن تصعيد استهداف حقول الطاقة في الخليج يهدد الاقتصاد العالمي، لاسيما أنه سيطال اقتصادات الدول الناشئة، والتي من بينها مصر، فيما يرى الجانب الآخر إعفاء النفط الإيراني مؤقتا خطوة اضطرارية لاحتواء صدمة الأسعار، موضحين أن مصر اتخذت عدة إجراءات لمواجهة الأزمة العالمية، والتي تشهدها المنطقة بالوقت الراهن.

إجراءات تقشفية لمواجهة التحديات

واتخذت الحكومة المصرية، الأسبوع الماضي، حزمة إجراءات تقشفية جديدة تطبق بشكل فوري وصارم، فيما تدرس تطبيق العمل عن بعد، وذلك بسبب تداعيات الحرب في المنطقة، وعلى رأسها ارتفاع اسعار النفط.

وتمثلت القرارات التي اتخذتها الحكومة في إغلاق المحال والمولات والمطاعم والكافيهات في الساعة 9 مساء، على أن يكون الإغلاق في الساعة 10 مساء يوم الجمعة، نهاية شهر مارس الجاري، وذلك لمدة شهر، إضافة إلى  إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق بشكل كامل. 

كما شملت قرارات الحكومة بخفض إنارة الشوارع الداخلية إلى أقل مستوى ممكن مع الالتزام باشتراطات الأمن والسلامة، إغلاق الحي الحكومي يوميا في تمام الساعة السادسة مساء، بدءا من بعد إجازة عيد الفطر، مع إطفاء الإنارة وشبكات الطاقة، واستكمال الأعمال الإدارية من المنزل. 

كما ألزمت الحكومة المحافظين والوزراء بتنفيذ قرارات الترشيد بشكل صارم لضمان استدامة الموارد، لاسيما أن  دراسة تطبيق نظام العمل من المنزل يوما أو يومين أسبوعيًا لبعض الجهات الحكومية، مع استثناء المرافق الحيوية من هذا القرار.

وبحسب تقرير نشرته  الصفحة الرسمية لمجلس الوزراء فإن خط أنابيب "سوميد" يعد من أبرز المسارات البديلة لتصدير نفط الخليج حال تعطل الملاحة في مضيق هرمز، مشيرة إلى أن الخط يمتد داخل مصر من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، بطاقة تقارب 2.5 مليون برميل يوميًا، ويستخدم عادة لنقل النفط الخام الذي يصل البحر الأحمر ثم ضخه إلى البحر المتوسط لإعادة الشحن إلى أوروبا، متجاوزًا قناة السويس في حالات معينة، وفي حال تعطل الملاحة بمضيق هرمز يمكن أن يعمل الخط كحلقة مكملة ضمن سلسلة لوجستية أوسع، من خلال وصول النفط إلى البحر الأحمر، عبر خط "شرق - غرب" السعودي أو عبر مسارات بحرية أخرى، ليصبح "سوميد" بعد ذلك أداة لتمرير الإمدادات نحو البحر المتوسط.

مصر المستورد الأكبر 

من جانبه يرى الدكتور كريم عادل، رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن مصر، باعتبارها من أكبر الدول المستوردة للطاقة، ستكون من بين الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار العالمية، حيث سيؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة الاستيراد والضغط على موارد النقد الأجنبي، خاصة في ظل تراجع إيرادات قناة السويس والسياحة، إلى جانب خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل.

وأكد أن هذه التطورات ستنعكس سلبًا على مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية في مصر، مما سيؤدي إلى ارتفاع مستويات الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع التكاليف وتزايد الضغوط التضخمية.

«سوميد».. كلمة السر المصرية لتأمين الإمدادات

في هذا السياق، أكد الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن خط «سوميد» (السويس-البحر المتوسط) يمثل «كلمة السر» في تأمين إمدادات النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.

وأوضح القليوبي أن الخط، الذي بدأ تشغيله بعد حرب 1973، يمتلك طاقة تصميمية حالية تصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا (قابلة للزيادة إلى 3 ملايين)، ويربط بين ميناء العين السخنة على البحر الأحمر وميناء سيدي كرير على البحر المتوسط. وأشار إلى أنه ينقل النفط السعودي عبر خط «شرق-غرب» إلى ينبع، ثم يُشحن إلى السخنة ويُضخ عبر سوميد، مما يتيح استمرار تدفق أكثر من 65% من إنتاج السعودية حتى في أوقات تعطل هرمز.

وشدد على أن سوميد ليس مجرد خط أنابيب، بل أحد الأعمدة الاستراتيجية للبنية التحتية المصرية، ويمكن تطويره ضمن مشاريع إقليمية مثل خط البصرة-العقبة-مصر، ليجعل مصر محورًا إقليميًا لتجارة الطاقة.

الولايات المتحدة تمنح إعفاءات مؤقتة

قالت الدكتورة هدى رؤوف، الخبيرة الاقتصادية والمتخصصة في الشؤون الإيرانية، إن التحركات الأمريكية الأخيرة بشأن النفط الإيراني تعكس تحولًا تكتيكيًا لاحتواء تداعيات التصعيد في سوق الطاقة، بالتوازي مع سعي إيران لاستغلال الأزمة في فرض ترتيبات جديدة داخل مضيق هرمز.

وأوضحت رؤوف أن اتجاه الإدارة الأمريكية لمنح إعفاءات مؤقتة لتصريف النفط الإيراني العالق في البحر يأتي في إطار محاولة سريعة لتخفيف الضغوط على الأسواق العالمية، خاصة بعد تداعيات استهداف حقل «بارس الجنوبي»، وهو ما زاد من مخاوف نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وأضافت أن إيران، في المقابل، تتحرك بشكل منظم لاستغلال أجواء الحرب، حيث بدأت بالفعل في إنشاء ممرات آمنة لعبور السفن مقابل رسوم، وسمحت بمرور بعض الناقلات وفق تفاهمات مباشرة، في خطوة تعكس رغبتها في إعادة تشكيل قواعد الملاحة داخل مضيق هرمز، وليس فقط إدارة الأزمة بشكل مؤقت.

وأشارت إلى أن طهران تسعى للحصول على اعتراف غير مباشر بسيطرتها على المضيق، وهو ما ظهر في ترتيبات مثل السماح بمرور سفن هندية مقابل الإفراج عن ناقلات نفط إيرانية، إلى جانب طرح التعاملات باليوان الصيني، لافتة إلى أن هناك مؤشرات دولية بدأت تتعامل مع هذا الواقع، خاصة مع تصريحات غربية تربط المرور في المضيق بالتنسيق مع إيران.

وأكدت أن إيران منذ بداية التصعيد تطرح شروطًا واضحة تشمل رفع العقوبات والحصول على تعويضات وضمانات بعدم التعرض لهجمات مستقبلية، لكنها ترى أن الأهم هو تثبيت وضع جديد في مضيق هرمز، وهو ما عبّر عنه مسؤولون إيرانيون بالتأكيد على أن شكل إدارة المضيق لن يعود كما كان.

التحرك الأمريكي

وفيما يتعلق بالتحرك الأمريكي، أوضحت رؤوف أن واشنطن سمحت بشكل غير معلن بمرور بعض شحنات النفط الإيراني بهدف الحفاظ على الأسعار دون مستويات مرتفعة، لكن استهداف منشآت الغاز الإيرانية أربك هذه الحسابات ودفع الأسعار للصعود، بما انعكس على الاقتصاد الأمريكي نفسه.

وشددت على أن الحديث عن طرح نحو 140 مليون برميل من النفط الإيراني في الأسواق خلال أيام قليلة يتطلب إصدار إعفاءات مؤقتة شبيهة بما حدث سابقًا مع النفط الروسي، مؤكدة أن هذه الخطوة لن تتم دون تفاهم يضمن لإيران الحصول على عائد من هذا النفط. 

وأضافت أن طهران لن تقبل ببيع نفطها دون مقابل، وهو ما يرجح وجود تنسيق غير مباشر مع الجانب الأمريكي يسمح بضخ كميات محدودة لتجنب صدمة في الأسواق، مع تحقيق مكاسب اقتصادية جزئية لإيران.

واختتمت تصريحها بالتأكيد على أن إيران لن تتخلى بسهولة عن ورقة مضيق هرمز، معتبرة أنها أصبحت أداة ضغط رئيسية على الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن منح إعفاءات مؤقتة لن يغير من الاستراتيجية الإيرانية التي تستهدف إطالة أمد الأزمة لترسيخ نفوذها في المنطقة.

تصعيد استهداف الحقول

من جانبه، حذر الدكتور كريم عادل، رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، من خطورة التصعيد العسكري الذي يستهدف حقول النفط والغاز في منطقة الخليج العربي، مؤكدًا أن تلك التطورات تمثل نقطة تحول خطيرة في مسار أسواق الطاقة العالمية وتداعياتها الاقتصادية.

وأكد عادل أن توجيه ضربات مباشرة لحقول النفط والغاز في الخليج يُعد تعميقًا حادًا للأزمة الطاقية والتجارية التي يشهدها العالم حاليًا، مشيرًا إلى أن هذا التصعيد يعكس استمرار الصراع لفترة أطول مما كان متوقعًا، وهو ما يُبعد احتمالات استقرار أسعار الطاقة أو عودتها إلى مستويات ما قبل الحرب في المدى القريب.

وأوضح أن استمرار اضطراب الإمدادات سيؤدي إلى انعكاسات مباشرة على الدول المستوردة للطاقة، من خلال ارتفاع أسعارها وزيادة الضغوط على العملات المحلية، خاصة في الدول التي تعتمد على موارد دولارية من السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر وتصدير النفط. كما لفت إلى احتمالات خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل «الأموال الساخنة»، مما يعمّق من أزمة النقد الأجنبي.

مصر أمام تحدٍ مزدوج

يبدو أن مصر، وسط هذه الأزمة، مطالبة بتوازن دقيق: احتواء التداعيات الاقتصادية المباشرة (ارتفاع الأسعار، ضغط على الجنيه، تأثير على المعيشة)، مع تعزيز دورها الدبلوماسي واللوجستي كممر بديل آمن عبر سوميد وقناة السويس، الإعفاءات الأمريكية المؤقتة قد تخفف الصدمة العالمية مؤقتًا، لكن إيران لن تتخلى عن ورقة هرمز بسهولة، والتصعيد في الخليج يبعد أي أمل في عودة سريعة للاستقرار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء