رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ما بعد «الخلافة».. كيف أعاد داعش خراسان تشكيل خريطة الإرهاب؟

داعش خراسان - أرشيفية
داعش خراسان - أرشيفية

في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في إقليم آسيا الوسطى، برز ما يُعرف بـتنظيم "داعش خراسان" كأحد المفاهيم المركبة التي تعكس طبيعة الشبكات غير المركزية التي يعتمد عليها تنظيم داعش في إعادة إنتاج نفسه بعد الضربات التي تلقاها في العراق وسوريا. لا يشير هذا المصطلح إلى كيان تنظيمي واضح بقدر ما يعكس بنية داعمة ومتداخلة من الأفراد والخلايا التي تعمل في الظل، لتغذية فرع التنظيم المعروف بـداعش خراسان.

تأسس داعش خراسان عام 2015، عبر تحالف عناصر منشقة عن حركة طالبان وتنظيمات جهادية أخرى في أفغانستان وباكستان. ويعود اسم "خراسان" إلى الإقليم التاريخي الذي يشمل أجزاء من 

أفغانستان، وباكستان، وإيران، وآسيا الوسطى، وجاء ظهور التنظيم في سياق فراغ أمني وصراع داخلي بين الفصائل الجهادية الإرهابية، ما أتاح له فرصة التمدد مستندًا إلى خطاب أكثر تطرفًا، يقوم على تكفير الخصوم واستهداف الجميع دون استثناء.

فلا يزال تنظيم "داعش خراسان" يشكل تهديدًا خطيرًا ليس على أفغانستان وحدها، ولكن أيضًا على محيطها الجغرافي والإقليمي، فالتنظيم الإرهابي يستطيع التخفي في المناطق الرخوة وينفذ تهديداته للحكومة المؤقتة في أفغانستان، وتمتد عملياته أيضًا إلى دول أخرى في المنطقة، عبر استراتيجية "التمدد الشبكي".

ودخل تنظيم "داعش خراسان" في صراع مع حكومة طالبان الأفغانية بعد وصولها للحكم في أغسطس 2021، ونفذ عمليات ضد المصالح الأجنبية في أفغانستان، خاصة الدول التي فتحت باب التقارب مع حكومة طالبان مثل روسيا والصين، إضافة إلى عمليات ضد قيادات في "حركة طالبان"، لكن لم تقتصر عمليات التنظيم على الداخل الأفغاني، لكنها امتدت إلى دول أخرى في المنطقة في باكستان وروسيا.

داعش خراسان - أرشيفية 
داعش خراسان - أرشيفية 

وفي مارس 2024 أعلن تنظيم "داعش خراسان" مسئوليته عن تفجير موسكو، ولم يكن الحادث منفردًا في هذه الفترة، حيث جاء ضمن سلسلة من الهجمات شنها التنظيم، فخلال أسبوع تمكن التنظيم من تنفيذ 4 عمليات إرهابية كبرى، شملت العمليات عمليتين في أفغانستان وثالثة في الفلبين ورابعة في باكستان، ما يعني أن التنظيم يسعى لتحقيق الانتشار الجغرافي، رغم مساعي حكومة طالبان الأفغانية إلى مواجهته باعتباره أحد أبرز التحديات.

وفي سبتمبر الماضي أعلنت إدارة مكافحة الإرهاب في باكستان عن إحباط مخطط خطير لتنظيم "داعش خراسان" كان يستهدف عددًا من القادة السياسيين البارزين، من بينهم رئيس حزب "جمعية علماء الإسلام"  التي يترأسها الشيخ فضل الرحمن، وزعيم "الحزب الوطني البشتوني"، أيمل ولي خان، حيث أسفرت عملية أمنية في إقليم "خيبر بختونخاه" عن مقتل ثلاثة من عناصر التنظيم، بينما تمكن قائد المجموعة الإرهابية، المعروف باسم "فضل نور"، من الفرار برفقة عدد من مرافقيه.

ويضم التنظيم أيضًا جماعات متمردة من المتطرفين عناصر أجنبية قاتلت في أفغانستان مثل "الأوزبك" من الحركة الإسلامية في أوزبكستان واتحاد الجهاد الإسلامي، و"الأويجور"، إضافة إلى متطوعين من جنوب آسيا، وممثلي الجماعات العرقية الأفغانية غير البشتونية، بما في ذلك الطاجيك والأوزبك والبلوش، والتي تعتبر بمثابة مجموعاتٍ أساسيةً قويةً في عضوية التنظيم.

ومنذ نشأة التنظيم، ركز على أهداف رئيسية تمثلت في القيادة الأفغانية وقوات التحالف في أفغانستان، والمسلمون الشيعة "الهزارة" الذين يمثلون خصومًا أيديولوجيين للتنظيم والذين تعرضوا لهجمات متكررة، إضافة إلى التوتر في العلاقة مع "طالبان الأفغانية" وقد تحول هذا التوتر إلى عداء متصاعد بعد وصول طالبان إلى الحكم، وذلك في ظل التنافس على النفوذ في أفغانستان والقضايا الاستراتيجية، حيث يحاول التنظيم دائمًا إحراج حكومة طالبان أمام المجتمع الدولي.

داعش خراسان
داعش خراسان

ودخل التنظيم في مناوشات مع حركة طالبان منذ اليوم الأول لصعودها الثاني في أغسطس 2021، وحاول إحراج الحركة التي كانت تحاول الظهور أمام المجتمع الدولي بصورة مغايرة لما كانت عليه في مرحلة حكمها الأولى لأفغانستان، حيث استهدف التنظيم الإرهابي في البداية مساجد وتجمعات الشيعة وأسقط منهم العشرات، كما استهدف تجمعات الصحفيين، ثم استهدف مساجد الصوفية في سلسلة عمليات متتابعة.

وامتدت العمليات التي نفذها التنظيم داخل أفغانستان إلى "قندهار" معقل حركة طالبان ومقر زعيمها هيبة الله أخوند زاده، وكانت أخطر تلك العمليات التي نفذها التنظيم استهداف تجمع للشيعة وتبين بعد ذلك أن المنفذين كانوا مجموعة من المنتمين لأقلية الإيجور الذين تعهدت طالبان في بداية وصولها للسلطة التخلي عن دعمهم في إطار مساعيها لتهدئة الأمور مع دولة الهند.

مناطق السيطرة 

وفق تقرير صادر عن "الكونجرس الأمريكي"، فإن خريطة انتشار التنظيم تشمل الشرق الأفغاني، والذي يمثل معقلًا رئيسيًا للتنظيم، حيث يتمركز "داعش خراسان" بشكل أساسي في ولاية ننجرهار شرقي أفغانستان، وهي منطقة متاخمة للحدود مع باكستان، ما يجعلها نقطة عبور أساسية وأرضًا مناسبة لعمليات التنظيم.

وقد نجح التنظيم في التمدد شمالًا في أفغانستان، حيث أظهر وجوده في ولاية جوزجان شمال أفغانستان، وسبق له أن أصدر في مارس 2018 تسجيلًا مصورًا يُظهر سيطرته على عدة مناطق في جوزجان، رغم أنها مناطق ذات أغلبية عرقية تركمانية وليست ذات قاعدة شعبية تقليدية لطالبان، ما يشير لقدرة التنظيم على اختراق بيئات غير معتادة، ويتمثل هدف التنظيم في التمدد شمالًا والظهور في جوزجان لدورها المحوري كممر لمقاتلين أجانب من آسيا الوسطى.

داعش خراسان - أرشيفية
داعش خراسان - أرشيفية

وقد شهد تمدد التنظيم شمالًا تراجعًا مؤقتًا ثم بقاء، ففي أغسطس 2018، تلقّى التنظيم ضربات شديدة على يد طالبان، ما أدى إلى تقليص وجوده في الشمال، ومع ذلك بقي التنظيم نشطًا، خصوصًا في المناطق التي يصعب على قوات طالبان إحكام السيطرة عليها، ورغم أن وجوده الرئيسي في أفغانستان، إلا أن جذوره التنظيمية امتدت من باكستان، وهو ما يمنحه القدرة على القيام بتحركات عبر الحدود.

وفي الوقت الذي ركز فيه التنظيم على مسارح العمليات الأفغانية والباكستانية في أفغانستان، وكانت الأجزاء الشرقية والشمالية الشرقية من البلاد معاقله الرئيسية، مع مرور الوقت، توسعت هذه المنطقة لتشمل المحافظات الشمالية، التي يسكنها بشكل رئيسي الطاجيك والأوزبك، وتلك الواقعة على حدود آسيا الوسطى ما بعد الاتحاد السوفيتي، وقد وفرت هذه المناطق الأراضي وقاعدة التجنيد والدخل.

وبالنظر إلى تمدد التنظيم، يُلاحظ أنه قد تحول من فرع محلي محدود في شرق أفغانستان إلى جهة جهادية ذات امتداد إقليمي واسع، اعتمادًا على نمط لامركزي من العمل يتيح له الانتشار خارج مناطقه التقليدية، وقد بدأ هذا التوسع انطلاقًا من معقله التاريخي في ولاية ننجرهار شرق أفغانستان، مستفيدًا من التضاريس الجبلية والممرات الحدودية مع باكستان، إضافةً إلى تجنيد عناصر منشقّة عن طالبان ومقاتلين من آسيا الوسطى.

وفيما يتعلق بآسيا الوسطى، فإن التنظيم يواصل التغلغل، إذ بات يجتذب مقاتلين من طاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان ويؤسس خلايا نائمة يمكن استخدامها لشن هجمات عابرة للحدود، كما أطلق خطابًا دعائيًا بلغات محلية – منها الطاجيكية والأوزبكية – بهدف توسيع قاعدته الشعبية في الإقليم.

وإلى جانب الانتشار الجغرافي، فإن الانتشار الشبكي للتنظيم يؤشر على امتداد قدراته العملياتية خارج الحدود الأفغانية والباكستانية بما يصل إلى روسيا وإيران وأوروبا، وذلك عبر شبكات عابرة للقوميات تعتمد على مقاتلين من آسيا الوسطى كمحرك رئيسي، ما يمكن التنظيم من تنفيذ عمليات خارجية واسعة النطاق عبر استراتيجية التمدد الشبكي.

داعش خراسان - أرشيفية
داعش خراسان - أرشيفية

القدرات التي بات التنظيم يتمتع بها عبر التمدد الشبكي دفعت وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فوروكوف، للقول بأن أوروبا تواجه تهديدًا أكثر حدة من تنظيم "داعش خراسان"، في أعقاب إحباط عملية الهجوم على حفلة نجمة موسيقى البوب تايلور سويفت التي خطط لها مشتبهون أعلنوا ولاءهم لتنظيم "داعش"، ما يعني أن قدرة التنظيم لم تعد محكومة بانتشاره الجغرافي.

ما يؤشر على ذلك، هو تلك المخاوف التي أعلنها "فوروكوف" والذي قال: إن التهديد الذي يشكله تنظيم داعش في خراسان، أصبح ظاهرًا للعيان في فيينا، حيث تم إلغاء 3 حفلات لتايلور سويفت، بعد أن اعتقلت السلطات النمساوية 3 مشتبه بهم"، مبينًا أن هذا الفرع يتزايد في القوة والنفوذ، معتبرًا أن التنظيم يشكل أكبر تهديد إرهابي خارجي للقارة، من خلال جهوده المكثفة في التجنيد، وتمتعه بشبكة من الإمكانيات المالية واللوجستية.

أبرز العمليات 

استطاع التنظيم تنفيذ عدة عمليات خارج نطاقه الجغرافي المعتاد، ما يؤشر على القدرات التي بات يتمتع بها عبر استراتيجية "التمدد الشبكي" والتي منحته مساحة عملياتية واسعة، حيث استطاع التنظيم تنفيذ هجوم دموي في مارس 2024 على قاعة حفلات موسيقية في موسكو، أدى إلى مقتل 137 شخصًا على الأقل، وهي العملية التي يمكن اعتبارها "نقلة نوعية" في عمل "داعش خراسان"، لأنها أظهرت قدرة التنظيم على التخطيط والتنفيذ عبر شبكات تمتد من آسيا الوسطى إلى داخل روسيا.

وجاءت عملية "موسكو" بعد الخطاب العدائي الذي أظهره التنظيم ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بسبب السياسات الروسية ضد تنظيم داعش والحملات العسكرية التي شنتها روسيا ضد أفرع التنظيم الأخرى سواء في سوريا أو في أفريقيا عبر مجموعة "فاجنر"، ما يؤشر على مساعي التنظيم المحتملة لتنفيذ عمليات ضد الدول التي تحارب أفرع التنظيم في أماكن أخرى.

وفي يناير 2024، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم استهدف حشدًا في جنوب إيران أثناء إحياء ذكرى مقتل قاسم سليماني، القائد السابق لفيللق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وأسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 84 شخصًا في انفجارين هزّا الحشد قرب قبر سليماني في مدينة كرمان، وهو ما دفع السلطات الإيرانية إلى تعزيز الأمن على طول حدودها مع أفغانستان وباكستان.

وكان قاسم سليماني، يمثل أبرز الأعداء لتنظيم "داعش" سواء في سوريا أو العراق، وجاء إعلان التنظيم بأن اثنين من عناصره فجّرا حزاميهما الناسفين وسط الحشد مؤشرًا على تنامي قدرات التنظيم على اختراق مواقع أمنية معقدة ومحصنة خارج البيئة المعتادة لـ"داعش – خراسان".

داعش خراسان - أرشيفية
داعش خراسان - أرشيفية

يعتبر "داعش خراسان" من أحد أخطر تجليات التحول في بنية الإرهاب العالمي، حيث لم يعد التنظيم بحاجة إلى السيطرة على الأرض بقدر حاجته إلى إدارة الفوضى، وبين صراع النفوذ مع حركة طالبان، وتداخل المصالح الدولية، تتحول خراسان إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الإرهاب في صورته الأكثر عنفًا ومرونة، ومن ثم فإن فهم هذا التنظيم لا يقتصر على تتبع عملياته، بل يتطلب قراءة عميقة لبنيته الشبكية، وبيئته الحاضنة، ودوره في إعادة تشكيل خريطة التهديدات في الإقليم والعالم.

ويمكن القول إن استراتيجية التمدد الشبكي التي اعتمدها التنظيم ساهمت في تحويله من فاعل محلي إلى فاعل إقليمي ودولي يتحرك في مساحة عابرة للحدود، وهو ما مكنه من تنفيذ عمليات نوعية خارج بيئته المعتادة والقدرة على اختراق دوائر أمنية معقدة، ما يؤشر على إمكانية دخول التنظيم في مرحلة جديدة من النشاط الخارجي التي تطال خصومه في الخارج والدول المحاربة لفروع التنظيم، وهو ما دفع مسؤولين أمميين إلى اعتبار التنظيم من أخطر التهديدات التي تواجه المجتمع الدولي.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء