ما معنى أن تكون مثقفًا، وما معنى الثقافة، وما هي روافدها وعناصرها، وما هي فوائدها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة؟ في الحقيقة، الأمر أعقد بكثير مما يظن البعض الذين يطلقون حملات من التنظير لا أدري ما الغرض منها، هل هو هجوم من أجل الهجوم، أم هجوم من أجل اقتناص فرصة أو منصب، أم هجوم للاعتقاد بأن تلك العبارات التنظيرية المنمقة هي الحل؟ في كل الأحوال نحن أمام معضلة من البشر ومن استيعاب المفاهيم والأدوات والغايات أيضًا.
ولذلك، لأن تكون مثقفًا يجب أن تعلم أن هذا ليس أمرًا شكليًا يُقاس بعدد الكتب التي قرأتها، ولا بعدد الشهادات التي حصلت عليها، ولا حتى بقدرتك على اقتباس المقولات الرنانة ونشرها على صفحات التواصل الاجتماعي، ولا أن تكون مقطب الجبين طوال الوقت، ولا أن ترتدي ملابس غريبة أو نظارة طبية بدون زجاج، فالمسألة أعمق من هذا بكثير. فالثقافة ليست تراكم المعارف فقط، بل هي طريقة في النظر إلى العالم، ومنهج في الفهم يسبقه أسلوب في طرح الأسئلة، ويليه أفعال وتأثيرات.
لنعد إذًا خطوة إلى الخلف، ونبدأ في تعريف الثقافة، ولا أريد أن تشعر، عزيزي القارئ، بسذاجة الطرح، فحتى الآن التعريفات مختلفة، وفي كل مرة نبدأ في الحديث عن الثقافة نتعرض لتعريفات مختلفة قد تتماس في بعض العناصر وقد تختلف، ولهذا -ولأسباب أخرى- أرى أن تعريف الثقافة وإعادة تعريفها كل فترة لهو من الأمور المهمة والحيوية والمصيرية أيضًا، ولعل أبسط التعريفات يوصف الثقافة على أنها ذلك البناء المعرفي والقيمي الذي يتشكل داخل الإنسان عبر الزمن، من خلال القراءة، والتجربة، والحوار، والتأمل، والاحتكاك بالآخرين، أي إنها هي حصيلة ما يمر به الفرد من خبرات فكرية واجتماعية، وما يتعرض له رغمًا عنه من بيئته، وما يختاره بإرادته من مصادر المعرفة، وهي ليست مجالًا واحدًا؛ فقد يكون الإنسان مثقفًا في التاريخ، أو الاقتصاد، أو الفلسفة، أو الأدب، أو العلوم، لكن المعنى الأوسع للثقافة يتجاوز التخصص ليشمل القدرة على الربط بين المجالات المختلفة، وفهم السياق العام للأحداث والأفكار.
أما روافد الثقافة فمتعددة، أولها وأهمها القراءة، فهي المصدر الأكثر وضوحًا وتأثيرًا، سواء كانت في كتب التراث أو الدراسات الحديثة أو السير الذاتية التي تكشف لك كيف يفكر الناجحون ويخطئون ويتعلمون، وثانيها الحوارات الفكرية، لأن الأفكار لا تنضج في العزلة، والحوارات قد تفتح آفاقًا لا تفتحها صفحات الكتب المطبوعة، وثالثها التجربة الحياتية، فالواقع مدرسة لا تقل أهمية عن الكتب، وهناك أيضًا السفر – وإن لم يكن متاحًا للجميع – والاطلاع على ثقافات أخرى عبر الوسائط المختلفة، والتي ربما أصبحت أكثر سهولة ويسرًا في عصر المعلومات والشبكات، إضافة إلى الإعلام، الذي أصبح اليوم رافدًا أساسيًا، سواء شئنا أم أبينا، غير أن الإعلام تحديدًا يجعلنا نتساءل: هل هو صانع للثقافة أم ناقل لها؟ والإجابة البسيطة هي أنه الاثنان معًا، حيث يمكن للإعلام أن يرفع الوعي ويعمق الفهم، كما يمكنه أن يسطح القضايا ويختزلها في عناوين مثيرة، وهنا يظهر دور الفرد المثقف الذي يجب أن يعمل على فحص وفرز وتمحيص ما يقدم له، وعليه أن يوضح ذلك أيضًا لمن يعتقد أن الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي هما المصدران الرئيسيان للثقافة والمعرفة.
نأتي بعد ذلك إلى محاولة إجابة السؤال الذي يسأله البعض عن ما هي فائدة الثقافة، فالبعض يعتقد أنه مثقف، والبعض الآخر يرى أن الثقافة ليست إحدى أولويات حياته أو حياة الآخرين، على أي حال، تلك الفوائد بعضها مباشر والبعض الآخر غير مباشر، فمن فوائدها المباشرة أنها توسع أفق الإنسان، تجعله أقل تعصبًا، وأكثر قدرة على فهم اختلاف الآخرين، فالمثقف يدرك أن الحقيقة ليست دائمًا أحادية، وأن لكل قضية أبعادًا متعددة، كما أن الثقافة تمنح صاحبها قدرة أفضل على اتخاذ القرار؛ لأنه لا ينظر إلى الحدث بمعزل عن تاريخه وسياقه الحالي وتبعاته المستقبلية.
أما الفوائد غير المباشرة، فهي أعمق تأثيرًا، فالثقافة تبني شخصية متزنة تتذوق الجمال وسموًّا روحيًا ونفسيًا، كما أنها تمنح صاحبها ثقة هادئة، لا صخب فيها ولا استعراض، وهي أيضًا ترفع من جودة الحوار داخل المجتمع، لأن النقاش حين يكون قائمًا على معرفة، يصبح أقل انفعالًا وأكثر فاعلية، وعلى مستوى المجتمع، تسهم الثقافة في تشكيل وعي جمعي قادر على التمييز بين المصلحة الحقيقية والمصلحة الزائفة، وتحميه من الكثير من حملات تغييب الوعي أو نشر الشائعات وإثارة الاضطرابات.
لكن الثقافة لا تنشأ ولا تزدهر في الفراغ أو في معزل عن عناصر أخرى، مثل العادات والتقاليد المجتمعية، التي قد تكون حافظة لهوية المجتمع، لكنها أحيانًا قد تقيد التفكير إذا تحولت إلى مسلمات غير قابلة للنقاش، ومنها النظام التعليمي، الذي يمكن أن يكون محفزًا على التفكير النقدي، أو مجرد أداة لتلقين المعلومات، ومنها البيئة الاقتصادية، التي قد تحظى بالاهتمام على حساب المعرفة التي قد يعتبرها البعض ترفًا لا حاجة إليه، وهو خطأ كبير، فالتجربة التاريخية تشير إلى عكس ذلك، فالمجتمعات التي ازدهرت حضاريًا لم تفعل ذلك بالقوة وحدها، بل بالمعرفة، والفرد الذي يطور وعيه لا يفعل ذلك للتفاخر، بل ليحسن فهم نفسه وموقعه في هذا العالم.
أن تكون مثقفًا إذًا، يعني أن تسعى للمعرفة وللفهم قبل الحكم، وأن تطرح الأسئلة حتى لو لم تجد لها إجابة فورية، وأن تعترف بأن معرفتك مهما اتسعت تظل محدودة، فالثقافة ليست لها نهاية، بل هي رحلة مستمرة، تبدأ بفضول صادق، وتستمر برغبة حقيقية في التعلم، وتنضج بتواضع فكري يحمي صاحبه من وهم الكمال الذي هو بداية السقوط.