رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

يمثل مضيق هرمز واحدًا من أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره ما يقارب 40٪ من تجارة النفط العالمية، وهو ما يجعله ليس مجرد ممر مائي، بل شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي. في ظل هذا الواقع، تتحول الحرب حوله إلى أزمة عالمية تتجاوز حدود الإقليم، لتطال أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم في مختلف الدول. وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران بوصفها قوة تمتلك ثالث أكبر احتياطي في العالم، ما يجعلها عنصرًا حاسمًا في تحديد موازين القوة، حتى بات يُقال إن من يسيطر على إيران يقترب من التحكم في مفاتيح الاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، يعكس المشهد المفترض تفككًا واضحًا داخل المعسكر الغربي، حيث لم تعد أوروبا مستعدة للانخراط خلف الولايات المتحدة في مغامرات عسكرية غير محسوبة. فقد أدى تراجع الثقة في السياسات الأمريكية، خاصة في ظل توجهات دونالد ترامب، إلى بروز موقف أوروبي أكثر استقلالًا، يرفض الانجرار إلى صراع قد يفاقم الأزمات الاقتصادية الداخلية. هذا الموقف لا يعكس فقط خلافًا سياسيًا، بل يشير إلى تحول أعمق في بنية التحالفات الدولية، حيث لم تعد المصالح الغربية متطابقة كما كانت في العقود السابقة.

في المقابل، يتشكل محور مضاد تقوده كل من روسيا والصين إلى جانب إيران، وهو تحالف يقوم على البراغماتية لا الأيديولوجيا. تسعى هذه القوى إلى منع الهيمنة الأمريكية على مصادر الطاقة العالمية، خاصة أن الصين تعتمد بشكل كبير على واردات النفط لاستمرار نموها الاقتصادي. ومن هنا يصبح دعم إيران ضرورة استراتيجية لحماية التوازن العالمي ومنع خنق الاقتصاد الآسيوي.

تكشف الأرقام عن خلل جوهري في معادلة الطاقة العالمية، إذ تمثل الولايات المتحدة نحو 5٪ فقط من سكان العالم، لكنها تستهلك ما يقارب 25٪ من الطاقة، مع توقعات بارتفاع الطلب إلى ما بين 30٪ و40٪ خلال السنوات القادمة. في المقابل، تتركز نحو 80٪ من احتياطيات الطاقة في أوراسيا، ما يعني أن مركز الثقل الحقيقي للطاقة يقع خارج النفوذ الأمريكي المباشر. هذا التناقض يفسر السلوك الأمريكي الساعي إلى تأمين مصادر الطاقة بأي وسيلة، سواء عبر النفوذ السياسي أو التدخل العسكري.

ورغم هذا الصراع، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تظل معقدة ومتشابكة، حيث يجمعهما تنافس استراتيجي واعتماد متبادل في الوقت نفسه. فالولايات المتحدة تتفوق في تصميم الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة، بينما تمتلك الصين قاعدة تصنيع واسعة، وإن كانت أقل تقدمًا في الشرائح الدقيقة. كما تعتمد واشنطن على سلاسل التوريد في آسيا، خاصة في تايوان وكوريا الجنوبية، وهو ما يجعل أي صراع شامل بين الطرفين مكلفًا للطرفين بشكل يصعب تحمله.

على مستوى القيادة السياسية، تلعب الشخصيات دورًا محوريًا في دفع الأحداث نحو التصعيد أو التهدئة، حيث يُنظر إلى قرارات كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين وتشي جين بينج باعتبارها عوامل حاسمة في تحديد مسار الأزمة. وفي ظل حسابات القوة والردع، قد تتجه بعض هذه القيادات إلى خطوات عالية المخاطر، ما يرفع احتمالات التصعيد الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تسويات كبرى عندما تصل الأطراف إلى حافة المواجهة الشاملة.

ولا يمكن إغفال دور كوريا الشمالية التي تمثل عنصر ضغط إضافي في المعادلة، إذ قد تستغل أي انشغال أمريكي في الشرق الأوسط لتصعيد موقفها في شرق آسيا، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراع العالمي، ويجعل من الصعب احتواؤه ضمن نطاق جغرافي محدود.

وفي امتداد رقعة الصراع، يبرز احتمال فتح جبهة جديدة في شرق البحر المتوسط عبر التوتر المزمن بين قبرص الشمالية وقبرص الجنوبية، وهو توتر قد يتفاقم بدعم بريطاني، مع احتمالات انخراط غير مباشر من إسرائيل، بما يؤدي إلى استدراج تركيا إلى ساحة مواجهة جديدة. مثل هذا السيناريو يوسع نطاق الصراع من الخليج إلى المتوسط، ويحوّله إلى صراع متعدد الجبهات، تتداخل فيه المصالح العسكرية مع حسابات الطاقة وخطوط الغاز البحرية.

وفي هذا الإطار، يمكن تفسير الضربات التي نفذتها إيران ضد قواعد بريطانية في قبرص، ولا يُستبعد أنها تتضمن رسائل استراتيجية تهدف إلى توسيع نطاق الردع، وإيصال الصراع إلى ما وراء الخليج، بما يضغط على القوى الغربية في أكثر من مسرح عمليات في آن واحد.

في النهاية، لا تبدو “حرب هرمز” مجرد نزاع إقليمي، بل مظهرًا لتحول أعمق في النظام الدولي، حيث يتراجع نموذج القطب الواحد لصالح نظام متعدد الأقطاب تتقاسم فيه القوى الكبرى النفوذ. ورغم حدة التوترات، فإن التاريخ يشير إلى أن مثل هذه الأزمات الكبرى غالبًا ما تنتهي بتسويات شبه متوازنة، تعيد رسم خرائط النفوذ. وبينما يسعى كل طرف لتعظيم مكاسبه، يبقى الاقتصاد العالمي هو الضحية الأولى، في ظل تضخم متصاعد، واضطراب في الأسواق، ومستقبل مفتوح على احتمالات متعددة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء