رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

في قراءة معمقة للمشهد الراهن، يتضح أن مسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة لا ينفصل عن منطق الصراع، بل يمثل امتدادًا له بأدوات مختلفة. فالمخاوف الإيرانية من أن تكون المحادثات “فخًا” تعكس أزمة ثقة هيكلية متجذرة في التجربة التاريخية، بدءًا من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي. هذه السوابق أسست لما يمكن وصفه في الأدبيات الواقعية بانعدام اليقين المتبادل، حيث تفترض كل دولة أن الطرف الآخر قد يستخدم التفاوض كغطاء لتحقيق أهداف أمنية أو عسكرية. ومن هنا، فإن القلق من استهداف شخصيات مثل محمد باقر قاليباف خلال أي لقاء مباشر لا يبدو مبالغًا فيه في العقل الاستراتيجي الإيراني، بل يعكس إدراكًا بأن الدبلوماسية قد تُستخدم كأداة اختراق أمني.

في السياق ذاته، تعزز التصريحات المتناقضة للرئيس ترامب بين تأجيل الضربات والحديث عن “محادثات مثمرة” هذه الشكوك، حيث تُفسر في طهران باعتبارها تكتيكًا اقتصاديًا مرحليًا يهدف إلى خفض أسعار النفط قبل استئناف التصعيد. هذا النمط من السلوك يندرج ضمن ما تسميه الواقعية “إدارة الإكراه”، أي استخدام مزيج من الضغط العسكري والإشارات الدبلوماسية لإرباك الخصم ودفعه إلى تقديم تنازلات. إلا أن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها التكتيكية، قد تؤدي إلى نتيجة عكسية إذا عززت قناعة الطرف الآخر بأن التفاوض غير موثوق بطبيعته.

ورغم هذا المناخ المشحون، تشير المعطيات إلى وجود “تواصل” واستعداد إيراني “للاستماع”، وهو ما يعكس براغماتية حذرة. فإيران تدرك أن استمرار الحرب سيؤدي إلى استنزاف طويل، لكنها في الوقت ذاته تطرح شروطًا واضحة: ضمانات بعدم تطوير سلاح نووي مقابل رفع كامل للعقوبات والاعتراف بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. هذه المعادلة تكشف أن طهران لا تسعى إلى مجرد وقف إطلاق النار، بل إلى اتفاق يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. ومع ذلك، فإن تشددها في رفض أي قيود على برنامجها الصاروخي أو النووي، وطرحها لقضايا مثل التعويضات والسيطرة على مضيق هرمز، يعكس انتقالها إلى موقع تفاوضي هجومي مستند إلى قدرتها على إطالة أمد الصراع.

هذا التشدد لا يمكن فصله عن التحولات الداخلية، وعلى رأسها تعيين محمد باقر ذو القدر رئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي. فهذا التعيين يعكس عسكرة متزايدة لصنع القرار وتعزيز نفوذ الحرس الثوري، خاصة بعد مقتل علي لاريجاني. في هذا الإطار، تصبح السياسة الخارجية امتدادًا مباشرًا للعقيدة الأمنية، ما يقلل من فرص المرونة ويزيد من احتمالات تغليب الحلول الصدامية. كما أن النفوذ المتزايد للحرس الثوري يفسر القيود المفروضة على أي تنازلات محتملة، حيث يميل هذا التيار إلى رؤية الصراع كمعركة بقاء لا تقبل التسويات السريعة.

على المستوى الميداني، تشير حادثة اعتراض صاروخ باليستي فوق لبنان، وسط تقارير عن احتمال استهداف أصول أمريكية أو غربية، إلى توجه إيراني نحو توسيع نطاق الاشتباك الجغرافي. فحتى مع عدم وضوح الهدف النهائي، فإن طبيعة الأهداف المحتملة (السفارة الأمريكية، قاعدة حامات، أو مواقع في قبرص) تعكس انتقالًا من التركيز على إسرائيل إلى استهداف المصالح الأمريكية والغربية بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا التوسع يندرج ضمن استراتيجية الضغط متعدد المسارات، حيث تسعى إيران إلى رفع كلفة الحرب على خصومها خارج الساحة التقليدية.

في المقابل، تكشف التحركات الأمريكية، مثل التخطيط لإرسال 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جوًا، عن استعداد لخيارات تصعيدية تشمل تأمين مضيق هرمز بالقوة أو تنفيذ عمليات نوعية مثل السيطرة على الجزر أو المنشآت الحساسة. هذه القوة، باعتبارها وحدة استجابة سريعة، تعكس أن واشنطن لا تتجه نحو غزو شامل، بل نحو عمليات محدودة عالية التأثير. غير أن هذا التصعيد العسكري يتزامن مع ضغوط داخلية متزايدة، حيث أظهر استطلاع رويترز/إبسوس تراجع تأييد ترامب إلى 36%، مع موافقة 35% فقط على الحرب، و25% على أدائه الاقتصادي، ما يشير إلى أن كلفة الحرب بدأت تنعكس سياسيًا داخل الولايات المتحدة.

في الجانب الإسرائيلي، تكشف نتائج استطلاع “معاريف” عن تعزيز موقع نتنياهو سياسيًا، حيث ارتفع تمثيل حزب الليكود إلى 28 مقعدًا. هذا الارتفاع، رغم محدوديته، يعكس ما يعرف بـ”تأثير الالتفاف حول العلم” خلال الأزمات، حيث يميل الرأي العام إلى دعم القيادة في أوقات الحرب. ومع ذلك، فإن انتقال الأصوات داخل معسكر الائتلاف دون تغيير جذري في التوازن مع المعارضة يشير إلى أن هذا الدعم مؤقت ومشروط بنتائج الحرب، ما يضع نتنياهو تحت ضغط لتحقيق إنجاز ملموس.

ختامًا، يتشكل المشهد من تفاعل معقد بين التصعيد العسكري، والجمود التفاوضي، والضغوط الداخلية. إيران تتحرك بين الحذر والانخراط المشروط، والولايات المتحدة توازن بين الإكراه والتفاوض تحت ضغط داخلي، وإسرائيل توظف الحرب لتعزيز موقعها السياسي مع السعي لإضعاف إيران استراتيجيًا. لكن العامل الحاسم يظل غياب الثقة المتبادلة، الذي يحول دون تحول أي تواصل إلى اتفاق مستقر.

وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس تسوية سريعة، بل مفاوضات بطيئة تحت النار، حيث تستمر العمليات العسكرية كأداة لتحسين الشروط التفاوضية. في هذا الإطار، لا يبدو أن الحرب تتجه نحو حسم، بل نحو إعادة تعريف قواعد الاشتباك في نظام إقليمي يتسم بفوضى متزايدة، حيث تصبح القوة أداة إدارة للصراع، لا وسيلة لإنهائه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء