التصعيد الأمريكي على إيران: قراءة في قدرة دمشق على احتواء الضغوط الإقليمية
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع خرائط النفوذ المتحركة في المشرق، يجد الداخل السوري نفسه أمام اختبار مركب يتجاوز حدود الصراع التقليدي، ليدخل في نطاق إدارة الأزمات المتداخلة.
فبين ضربات إسرائيلية متكررة تستهدف تقويض التمركز الإيراني، وتحركات تركية وأمريكية تعيد رسم خطوط السيطرة شمالًا وشرقًا، تبدو الدولة السورية أمام واقع يفرض عليها إعادة تعريف أولوياتها، ليس فقط على مستوى التوازنات الخارجية، بل أيضًا في كيفية ضبط الداخل وإعادة إنتاج شرعيتها كفاعل ضامن للاستقرار.
تأمين الحدود السورية
فمع قيام إيران توسيع ساحة الحرب، من خلال دفع الميليشيات التابعة لها في العراق للمشاركة في تنفيذ هجمات ضد القواعد الأمريكية في العراق وأربيل، وبدء طهران استهداف دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، قامت الحكومة السورية بإجراءات احترازية في المناطق الحدودية فورا، إضافة إلى إعلانها الوقوف مع الدول العربية وإدانة الهجمات الإيرانية لهم، وجاء ذلك بشكل صريح في بيان وزارة الخارجية السورية يوم السبت 28 فبراير الماضي، الذي أكدت فيه إدانتها الشديدة "الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت سيادة وأمن كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية"، مضيفة أن سوريا "تعرب عن تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات".

بدأت الحكومة السورية يوم السبت 28 فبراير إرسال تعزيزات إلى الحدود السورية اللبنانية، والحدود السورية-العراقية، التعزيزات بدأت بإرسال مجموعات من وزارتي الدفاع والداخلية إلى الحدود مع لبنان، والتعليمات كانت واضحة، ضبط الحدود، ومنع أي عملية تهريب للسلاح أو الأشخاص من سوريا إلى لبنان والعكس.
المخاوف السورية تأتي من إمكانية وصول أسلحة مخبأة في سوريا لـ"حزب الله" اللبناني عبر الحدود، أو أسلحة من "الحزب" إلى مجموعات تعمل معه في سوريا بهدف شن هجمات من الأراضي السورية نحو إسرائيل أو القواعد الأمريكية. كما تجلت المخاوف السورية من تهريب سوريين يتعاملون مع "حزب الله" إلى لبنان للانضمام إلى "الحزب" في عمليات قتالية محتملة في حال تطورت الحرب في لبنان بين "حزب الله" اللبناني وإسرائيل.
أزمة الشرق السوري
فمازال الشرق السوري، خصوصًا دير الزور والبوكمال والميادين، تمثل المجال التقليدي لنشاط شبكات مرتبطة بإيران بحكم الاتصال اللوجيستي مع العراق، وهو ما يجعل المنطقة مرشحة لمحاولات مشاغلة، أو رسائل ميدانية ضد المصالح الأمريكية، ومع تصاعد الضغط على إيران قد تسعى بعض هذه الشبكات إلى إظهار أن المواجهة لن تبقى محصورة جغرافيًا، ولكن هذه الإمكانية باتت أضعف بكثير مما كانت عليه خلال أعوام سابقة، لأن البيئة التي سمحت لهذه المجموعات بالعمل تآكلت جذريًا.
يضاف إلى أن موقع سوريا الجيوسياسي يجعلها مجال تماس بين مسارح الصراع، للتصعيد الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، ويرفع احتمال محاولات استخدام المجال السوري كمساحة رسائل أو إزعاج عبر شبكات أو تهريب أو خلايا، ما يعد مساحة اختبار لقدرة الدولة الجديدة على منع إعادة إنتاج (الأرض المفتوحة) التي استخدمت فيها البلاد لأعوام كساحة صراع إقليمي.

وعلى الرغم من العداء الطويل بين الثورة السورية وحزب الله، فليس من المرجح أن تبادر دمشق بشن مواجهة مباشرة معه، ومن ثم فإن تعزيز القوات السورية على الحدود يرجَّح أن يأتي في سياق تخوّف دمشق من احتمال قيام صلات بين الجماعات المسلحة في العراق ولبنان وبين خلايا مدعومة من إيران، أو متعاطفة معها، داخل سوريا، بما قد يفضي إلى استخدام الأراضي السورية منطلقًا لشن عمليات ضد "إسرائيل".
المقاومة الإسلامية
خاصة في ظل إعلان مجموعة "المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس"، التي تنشط في الجنوب السوري بشكل رئيس، أنها لن تقف مكتوفة الأيدي، وفي المقابل، فإن تلاقي مصلحة دمشق والاحتلال في إضعاف حزب الله وتقويض قدراته العسكرية يزيد من احتمال أن تكون الإنزالات الإسرائيلية في البقاع اللبناني عبر الحدود السورية قد جرت بموافقة سورية ضمنية، وربما بقدر من التنسيق، مع التسليم بأن قدرة دمشق على منعها تظل محدودة، في ضوء محدودية قدرتها أصلًا على وقف التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري نفسه.
المرحلة الانتقالية
لم تعد الأزمة السورية مجرد صراع على الأرض، بل تحولت إلى معادلة معقدة بين إدارة الضغوط الخارجية وتفكيك التحديات الداخلية، خاصة في ظل هشاشة اقتصادية، وانقسام جغرافي، وتعدد مراكز القوة. ما يدفع الحكومة السورية، بقيادة المرحلة الانتقالية، إلى تبني مقاربة برجماتية تقوم على "إدارة الواقع القائم" بدلًا من المغامرة بمشروعات استعادة السيطرة الشاملة، في محاولة لتجنب الانزلاق إلى صدامات مفتوحة قد تعمّق من حالة الاستنزاف الداخلي.
التداخل بين التصعيد العسكري الخارجي وإعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي، في ظل استمرار الضربات التي تنفذها إسرائيل داخل العمق السوري، بالتوازي مع توسع أدوار كل من تركيا في الشمال، والولايات المتحدة في الشرق، يعكس مشهدًا مركبًا يفرض على سوريا تحديات مزدوجة، تتعلق بإدارة التوازنات الخارجية، وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية في آنٍ واحد.

لا يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي بمعزل عن منع ترسخ النفوذ الإيراني داخل سوريا، في ظل رغبة تل أبيب في إبقاء المجال السوري في حالة من السيولة الأمنية التي تحول دون تحوله إلى منصة إقليمية تهديد مصالحها.
إضعاف نفوذ إيران الإقليمي يأتي في مصلحة النظام الجديد بما يحد من التهديد الذي قد تمثله طهران عليه، وردع أي تدخلات محتملة من قبل حزب الله في سوريا، بالإضافة إلى العمل على احتواء التهديد الإسرائيلي وتجنب الصدام العسكري مع تل أبيب، دون التخلي عن ضرورة توحيد البلاد تحت سلطة مركزية والتصدي لأي مشروعات انفصالية أو محاولات لفرض مناطق حكم ذاتي.
التقاسم الأمريكي التركي
ميدانيًا هناك تقاسم غير معلن على المستوى السياسي والجغرافي للنفوذ التركي والأمريكي، ففي الشمال، تعمل تركيا على تثبيت مناطق نفوذها عبر أدوات أمنية وإدارية، مدفوعة بهاجسها المرتبط بالملف الكردي، ورغبتها في إعادة تشكيل التوازنات الحدودية، بينما في الشرق، تواصل الولايات المتحدة ترسيخ حضورها عبر دعم قوى محلية والسيطرة على مناطق ذات أهمية استراتيجية، سواء من حيث الموارد أو الموقع الجغرافي.
هذا التداخل بين الضغوط العسكرية الإسرائيلية والتوسع التركي والأمريكي، أسهم في تقليص هامش المناورة أو التمرد أمام دمشق، التي باتت تميل إلى تقديم استراتيجية "إدارة الواقع القائم"، يقوم تقتنع تدريجيًا على استراتيجية "استعادة السيطرة الكاملة" في إطار من البرجماتية التي تمنحها تثبيت الاستقرار الداخلي، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة مع القوى الخارجية، كألوية مرحلية للحكومة الانتقالية برئاسة احمد الشرع، خاصة في ظل الهشاشة الاقتصادية، واستمرار الانقسام الجغرافي، وتعدد مراكز النفوذ داخل الدولة.

الضربات الإسرائيلية المتكررة قد تفرض تحديات تتعلق بصورة الدولة ووظيفتها كضامن أمني، ما ينعكس بشكل خاص على العلاقة مع المكونات المحلية، وفي مقدمتها الطائفة الدرزية، التي تميل تقليديًا إلى الحياد وتغليب اعتبارات الأمن المحلي، إذ قد تؤدي هذه الضربات دفع بعض المكونات إلى البحث عن صيغ أكثر استقلالية في إدارة شؤونها وتعزيز ثقافة الانفصال الإداري والسياسي.
ختامًا:
يعكس المشهد السوري الراهن حالة من التوازن الهش بين ضرورات البقاء الداخلي وضغوط الاشتباك الخارجي، حيث لم تعد دمشق تملك رفاهية الخيارات الصفرية، بقدر ما باتت تدير شبكة معقدة من التفاهمات الضمنية والتوازنات المرحلية.

فالتصعيد الإسرائيلي، إلى جانب التمدد التركي والأمريكي، لا يعيد فقط تشكيل الجغرافيا السياسية، بل يضغط أيضًا على بنية الدولة ووظيفتها، ويفتح المجال أمام تحولات داخلية قد تعيد صياغة العلاقة بين المركز والأطراف.
وفي ظل هذا الواقع، تظل قدرة الحكومة السورية على احتواء التداعيات مرهونة بمدى نجاحها في تحقيق توازن دقيق بين تثبيت الاستقرار الداخلي ومنع تفكك الهياكل المحلية، خاصة مع تصاعد نزعات اللامركزية لدى بعض المكونات. فإما أن تنجح دمشق في تحويل سياسة “إدارة الأزمة” إلى مدخل لإعادة بناء الدولة تدريجيًا، أو أن يستمر هذا النمط من الإدارة كصيغة مؤقتة تكرّس واقع الانقسام وتُبقي سوريا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.