رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سعيد صادق: حادث كرموز ليس جريمة فردية بل أزمة اجتماعية مركبة|خاص

د.سعيد صادق
د.سعيد صادق

قال الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن ما حدث في كرموز لا يمكن النظر إليه باعتباره “جريمة فردية” أو “انحرافا معزولا”، بل هو تعبير عن أزمة اجتماعية مركبة. 

وأضاف أن علم الاجتماع يرى أن ما حدث في "مذبحة كرموز" يتطلب تحليل موضوعي للعوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي أدت إلى هذه المأساة، وليس تبريرا للجريمة أو إدانة شخصية، فالحدث نتيجة لـ”ضغوط متراكمة” داخل الأسرة والمجتمع، وليس مجرد “جنون فردي” أو “قرار شخصي”.

نظرية الإجهاد (Strain Theory) – ضغوط بلا مخرج

وأوضح “صادق” في تصريح خاص لـ“إيجبتك” أن الأسرة تعرضت لإجهاد شديد (strain) ناتج عن فشل في تحقيق الأهداف الاجتماعية الأساسية: الأمان المادي والاستقرار الأسري، فالزوج (الأب) في  الخارج بحثا عن عمل (ظاهرة شائعة جدًا في مصر بسبب البطالة والتضخم)، ثم انقطع الإنفاق تماما وأعلن الطلاق والزواج الجديد، ثقافة ذكورية تنظر للمرأة كأداة للمتعة لا شريكة بناء اسرة، هذا أدى إلى “انسداد فرص” (blocked opportunities) للأم والأبناء: فقر مدقع + مرض السرطان لدى الأم + عدم وجود شبكة أمان اجتماعي.

وتابع: كانت النتيجة اللجوء إلى “حل متطرف” يتمثل في “الانتحار الجماعي  للأسرة بالاتفاق”، حيث رأت الأم (وبعض الأبناء) أن “الموت رحمة” من بؤس الحياة، هذا نمط معروف في حالات اليأس الاقتصادي الشديد.. مشيرا إلى أن الأم امرأة فقيرة لا تعمل وتنجب ٦ أطفال دون وظيفة أو مصدر دخل، وتعتمد على زوج تركها هي وأطفالها ليتزوج غيرها ويهرب من أي مسؤولية، لا ضل راجل ولا حيطة. (أكثر من ٣٥%؜ من الأسر المصرية تعيلها امرأة).

تفكك الأسرة وغياب الأب 

وتابع: في المجتمعات التقليدية مثل مصر، يُبنى دور “الأب” على كونه “المعيل”، عندما ينهار هذا الدور بسبب الهجرة أو الطلاق، تتحمل الأم كل الأعباء (التربية + العلاج + الإعالة).

 الأم أصبحت في “عزلة وظيفية” (role overload): مريضة سرطان، بدون دخل، وبدون دعم من الأقارب أو الدولة، هذا يؤدي إلى انهيار الترابط الأسري، وتحول العلاقات من “دعم متبادل” إلى “يأس مشترك”، الاتفاق بين الأم والابن الأكبر على “إنهاء المعاناة” هو تعبير عن هذا التفكك، وليس مجرد “جنون شخصي مفاجئ".

الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في الأحياء الشعبية 

وقال “صادق”: إن منطقة كرموز (حي شعبي قديم في غرب الإسكندرية) تعاني من كثافة سكانية عالية + فقر + ضعف الخدمات الاجتماعية، ضعف الروابط المجتمعية (الجيران سمعوا الصرخات متأخرًا، ولم يكن هناك تدخل وقائي)، غياب شبكات الدعم الحكومية أو الجمعيات للأمهات المعيلات أو أسر المغتربين، هذه العوامل تخلق “بيئة انومية” (anomie – دوركهايم): فقدان المعايير الاجتماعية، حيث يشعر الفرد أن “القواعد لم تعد تنطبق” وأن الحياة لا تستحق الاستمرار.

الوصمة الاجتماعية للصحة النفسية والمرض

وأضاف أن في المجتمع المصري، الاكتئاب واليأس يُنظر إليهما غالبا كـ”ضعف إيمان” أو “عيب”، لا كمرض يحتاج علاجا، بالإضافة إلى مرض السرطان ومعاناته وحدها  + الطلاق وزواجه من اخري وتركها و حدها واطفالها = وصمة مزدوجة (خاصة للمرأة).

 وتابع: لا توجد خدمات نفسية ميسرة أو مجانية في مثل هذه الأحياء، ولا برامج دعم لأسر المغتربين.
النتيجة: تحول اليأس إلى “انتحار ممتد” حيث ترى الأم قتل أبنائها كـ”رحمة” لهم بدلا من ان تتركهم يعانوا وحدهم دون والدين قبل أن تموت هي.

السياق الثقافي الأوسع (الأبوية + الهجرة + الفقر)

وأشار إلى أن الهجرة الاقتصادية للرجال أصبحت ظاهرة اجتماعية كبيرة في مصر، وتترك آلاف الأسر “أبوية منقوصة”، والإيمان من حق الزوج ترك زوجته المريضة والزواج من سليمة والتخلي عن أبنائه دون الشعور بأي مسؤولية .
•  الطلاق في مثل هذه الظروف يُعتبر “خيانة” و”إهانة” للأسرة بأكملها، خاصة مع أطفال وامراة مطلقة فقيرة ب ٦ أطفال لايوجد لها أمل او انقاذ في زيجة جديدة تدعمها وأطفالها  
•  علم الاجتماع النسوي يرى هنا عبء الأمومة الوحيدة في مجتمع ذكوري يحمّل المرأة كل المسؤولية دون أي دعم مع ان مريضة وفقيرة دون اي دخل زوجها تركها هي وأطفالها لمصير مجهول ليتمتع بضحية جديدة .
الخلاصة من علم الاجتماع:
هذه ليست “جريمة عادية”، بل مأساة اجتماعية ناتجة عن تراكم الفقر + تفكك الأسرة + غياب الدعم النفسي والمادي + انجاب دون وعي بجهل نطبق ووصمة المرض والطلاق. الابن الناجي ليس “الوحش” فقط، بل ضحية لنفس الضغوط التي أدت إلى الاتفاق الجماعي على “الرحيل”.
المجتمع يحتاج إلى:
_ برامج دعم حقيقية لأسر المغتربين والأمهات المعيلات.
فرض ضريبة رادعة تمنع الانجاب دون حدد في اسر فقيرة مثل الطفل الثالث تفرض ضريبة سنوية ١٠٠ الف جنيه تضاعف كلما زاد الانجاب لردع ووقف الضغوط الاجتماعية والثقافية التي تحث علي الانجاب دون حماية اقتصادية واجتماعية 
_  توسيع خدمات الصحة النفسية المجانية في الأحياء الشعبية.
_  سياسات اقتصادية تقلل من “اليأس الاجتماعي” الناتج عن التضخم والبطالة.
هذه الحادثة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة إلا إذا عالجنا الجذور الاجتماعية وليس فقط الحدث الفردي.. رحم الله الضحايا، وأعطى الصبر للناجي ولأهل الحي. اين الزوج وماراي العروسة الجديدة في زوجها، الجريمة مروعة، لكن الظروف التي أنتجتها تحتاج وقفة مجتمعية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء