رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

يشكّل تعديل المهلة الزمنية التي وضعتها إدارة دونالد ترامب لإيران تطورًا ذا دلالة استراتيجية عميقة؛ إذ لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً تقنيًا معزولًا، بل باعتباره أداة ضمن منظومة أوسع لإدارة الصراع والضغط السياسي. فمن الناحية التحليلية، يعكس هذا التعديل انتقالًا محسوبًا من حالة الجمود النسبي إلى محاولة إعادة تشكيل بيئة التفاوض عبر تسريع الإيقاع الزمني للأزمة، بما يفرض على الطرف الإيراني إعادة تقييم حساباته في ظل ضغوط متزايدة. في هذا السياق، يمكن فهم القرار الأمريكي باعتباره جزءًا من استراتيجية “الضغط الأقصى” التي تسعى إلى تحقيق هدف مركزي يتمثل في تقييد القدرات النووية الإيرانية دون الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة.

 

 ويؤدي تقليص المهلة الزمنية وظيفة مزدوجة؛ فمن جهة يعزز مصداقية التهديد الأمريكي، ومن جهة أخرى يختبر مدى استعداد إيران لتقديم تنازلات أو الانخراط في مسار تفاوضي جديد. كما يحمل القرار أبعادًا داخلية تتعلق بإظهار الحزم أمام الرأي العام الأمريكي، فضلًا عن طمأنة الحلفاء الإقليميين الذين يرون في إيران مصدر تهديد مباشر. في المقابل، يتسم السلوك الإيراني بقدر عالٍ من البراجماتية الحذرة؛ حيث تسعى طهران إلى تحقيق توازن دقيق بين تجنب الحرب الشاملة والحفاظ على أوراق قوتها التفاوضية. ويتجلى ذلك في اعتمادها على استراتيجيات غير مباشرة، مثل توظيف شبكات الحلفاء الإقليميين، إلى جانب التصعيد النووي المحسوب الذي يهدف إلى رفع كلفة الضغوط دون تجاوز الخطوط التي قد تستدعي ردًا عسكريًا واسعًا.

 

 كما تراهن إيران على عامل الزمن، معتبرة أن الضغوط الأمريكية قد تتغير بفعل التحولات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة أو بفعل تباين مواقف القوى الدولية. أما على صعيد النظام الدولي، فيكشف هذا التطور عن تباين واضح في مواقف الفاعلين الرئيسيين. فالدول الأوروبية تميل إلى الحفاظ على مسار دبلوماسي يحد من التصعيد ويحافظ على ما تبقى من الاتفاق النووي، في حين تتبنى روسيا والصين موقفًا أكثر دعمًا لإيران في مواجهة الضغوط الأمريكية، انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بتوازن القوى الدولي. أما القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، فترى في تشديد الضغط على إيران ضرورة استراتيجية، وإن كانت تتحفظ على الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تفضي إلى تداعيات غير قابلة للاحتواء.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة التي تتراوح بين التوصل إلى تسوية مرحلية، مرورًا بحالات من التصعيد المحدود، وصولًا إلى احتمالات استمرار المواجهة العسكرية مع فرصة لتطورها لتشمل كذلك حربًا برية. ويبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار نمط “التصعيد المقيد”، حيث يسعى كل طرف إلى تعظيم مكاسبه دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة، وهو نمط يعكس إدراكًا متبادلًا لتكلفة التصعيد المحسوب، ونخص بالذكر هنا إيران. انطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى إطار استراتيجي متكامل لإدارة الأزمة يمكن صياغته في صورة خطة متعددة الأبعاد تقوم على جملة من المرتكزات الأساسية.

 

 في مقدمة هذه المرتكزات يأتي تحديد الهدف الاستراتيجي بوضوح، وليس كما حدث مع الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الحرب، بما يضمن توجيه كافة الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية نحو غاية محددة. كما يكتسب عنصر الزمن أهمية خاصة؛ حيث ينبغي استخدام المهلة الزمنية كأداة ضغط مرنة، وليس كأداة تصعيد نهائي قد تقيد هامش المناورة.

 إلى جانب ذلك، تبرز أهمية العمل على توحيد الموقف الدولي، خاصة مع الحلفاء الأوروبيين، بما يعزز شرعية أي إجراءات مستقبلية. ويتكامل هذا مع تصعيد اقتصادي مدروس يركز على زيادة الضغط على إيران، فضلًا عن تعزيز الردع العسكري عبر إجراءات وقائية لا تصل إلى حد الاستفزاز المباشر، وبما يستدرج إيران لتركيز استهدافاتها على المنطقة، وتحديدًا بالعمق الإسرائيلي، كما حدث منذ أربعة أيام سابقة عندما تم استهداف محيط مفاعل ديمونة ومنطقة عراد السكنية. كما يتعين دعم الحلفاء الإقليميين وتعزيز قدراتهم الدفاعية بما يحد من قدرة إيران على استخدام أدواتها غير المباشرة. 

كما لا يقل أهمية عن ذلك تفعيل القنوات الدبلوماسية غير المعلنة التي تتيح إدارة التوتر بعيدًا عن الضغوط الإعلامية، إلى جانب وضع آليات واضحة لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة واسعة. ولأن الحرب الإعلامية تمثل عنصرًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام الدولي، فإن الأمر يستدعي بالضرورة خطابًا يوازن بين الحزم والانفتاح على الحلول السياسية، والمعنى هنا هو الولايات المتحدة الأمريكية.

 ولتقليل مخاطر التصعيد، تبرز ضرورة العمل على تحييد الفاعلين غير الدوليين المرتبطين بإيران (حزب الله – الحوثيون – ميليشيا الحشد الشعبي – عصائب أهل الحق - ...)، بالتوازي مع تقديم حوافز مشروطة تفتح المجال أمام تسوية تدريجية. في إطار ما سبق، يلزم على من قام بتقديم أطروحة وقف إطلاق النار المكونة من خمسة عشر بندًا مراعاة التداعيات الحادة والسريعة للحرب الدائرة بالمنطقة على استقرارها والاقتصاد العالمي ككل، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة. وأخيرًا، تظل أهمية إيجاد مخرج دبلوماسي شامل عنصرًا حاسمًا في نجاح أي استراتيجية؛ إذ لا يمكن تحقيق استقرار دائم دون إطار تفاوضي يراعي مصالح جميع الأطراف.

 وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تعديل المهلة الزمنية المحددة بخمسة أيام إلى حيز زمني أوسع كجزء من استراتيجية رشيدة تقوم على فكرة “إدارة حافة الهاوية”، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب تفاوضية دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.

ولذا، يمكن القول إن التحدي الرئيسي لا يكمن في امتلاك أدوات القوة وحدها، بل في القدرة على إدارتها ضمن معادلة دقيقة تجمع بين الردع والمرونة. فنجاح هذه المقاربة يعتمد على دقة الحسابات الاستراتيجية الأمريكية وفاعلية استجابة النسق الدولي، بما يضمن احتواء الأزمة ضمن حدود يمكن التحكم فيها ويفتح المجال أمام تسوية سياسية مستدامة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء