فجّرت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران سؤالًا شائكًا كان مطروحًا منذ عقود، هذا السؤال يدور حول ماهية الأمن القومي العربي؟ لا أحد يستطيع أن ينكر أن الشرق الأوسط يعيش حالة تآكل وتحلل نظام وتوازنات الأمن الإقليمي القديمة، دون أن نتمكن حتى الآن من بناء بديل عملي قابل للتطبيق الفعلي. من اللافت للانتباه، والمثير للدهشة أيضًا، عدم وجود تعريف مانع جامع لماهية الأمن القومي العربي على شاكلة الجماعة الأوروبية -على سبيل المثال-. سواء على مستوى ميثاق جامعة الدول العربية، الإطار الرسمي للعمل العربي المشترك، أو في معاهدة الدفاع العربية المشتركة والتعاون الاقتصادي. المعاهدة الموقعة في عام 1950 أشارت فقط إلى التعاون في مجال الدفاع، لكنها لم تشر إلى "الأمن" صراحة. كما أنها افتقدت إلى صفة الإلزام؛ حيث اكتفت في المادة الثانية بحث الدول الأعضاء على توحيد الخطط والمساعي المشتركة في حالة الخطر الوشيك، مثل الحرب، وشكّلت مجلس الدفاع العربي المشترك، الذي يتألف من وزراء الدفاع والخارجية.
ما بعد ثورة يوليو 1952، وحتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بدأ الفكر السياسي العربي بالتركيز على صياغة محددة ومفهوم مشترك للأمن القومي العربي، حيث سعى العديد من المفكرين العرب في تلك الفترة، من خلال البحوث والدراسات والمؤلفات في مراكز الدراسات السياسية، إلى تعريف هذا "الأمن". غير أن هذه المحاولات ظلت محصورة في نطاقها النظري والأكاديمي، كما أنها لم تنتهِ إلى تعريف وصياغة "مفهوم" واضح محدد للأمن القومي العربي، حيث اتسمت تلك التعريفات بالغموض والالتباس بين التعريف والتطبيق.
الإشارة الأولى مؤسسيًا لمفهوم "الأمن القومي العربي" بمعناه الواضح كانت في القمة العربية في بغداد عام 1990، أي بعد مضي نحو 45 عامًا على تأسيس جامعة الدول العربية. في يونيو 2014، أقرت لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان العربي تعريفًا للأمن القومي العربي على أنه: "قدرة الأمة العربية على حماية كيانها، مصالحها، وحقوقها، واستقلالها، وسيادتها، وترابها الوطني، وتنمية قدراتها في كافة المجالات، ومواجهة كافة التهديدات والتحديات الداخلية والخارجية على النحو الذي يضمن تحقيق الاستقرار والرفاهية للمواطن العربي".
في قمة شرم الشيخ، مارس 2015، وافق القادة العرب على مقترح الرئيس عبد الفتاح السيسي، من حيث المبدأ، على إنشاء قوة عربية مشتركة تشارك فيها الدول العربية اختياريًا، على أن تشكل معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950 الأساس السياسي والخلفية القانونية لهذا المقترح. غير أن هذا المقترح لم يدخل حيز التنفيذ حتى تاريخه.
مع تصاعد وتيرة وحدة الحرب على إيران، وامتدادها لدول الخليج الشقيقة، وفي إطار المتغير الجيوسياسي الحاد المتمثل في مرحلة خطيرة من مراحل إعادة تشكيل الشرق الأوسط، والإخلال بالتوازن الأمني والسياسي، وإعادة صياغة معادلات الأمن لمصلحة هيمنة إسرائيلية.
عادت مصر، من موقع المسؤولية القومية، لتعيد طرح ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن القومي العربي، وأكد الرئيس السيسي على أهمية ترسيخ مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن حماية الدول العربية من أي تهديدات أو اعتداءات، وضرورة الشروع في وضع الآليات التنفيذية المنشودة لاتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية لصيانة الأمن القومي العربي، للتعامل مع التحديات الحالية غير المسبوقة. ذلك انطلاقًا من رؤية مصرية مفادها أن التحديات الحالية أعمق وأخطر من أن تُواجَه بأنماط وخطاب التضامن السياسي التقليدية المعتادة.
تعدد مصادر التهديد لأمن الدول عادة ما يكون محفزًا لها لتوحيد المواقف وتشكيل التحالفات، لكن المفارقة في الحالة العربية، خاصة ما بعد 2010، أنه حتى مع تعدد مصادر التهديد وتنوعها ما بين مهددات خارجية وداخلية، فإن ذلك لم يُترجم إلى تماسك عربي استراتيجي، بل في كثير من الأحيان أدى إلى تباين في الأولويات رغم التوافق في إدراك الخطر. الإشكالية الأساسية ليست في غياب الإدراك بالخطر وأهمية التنسيق الجماعي، بل في غياب آلية تحويل الإدراك إلى فعل جماعي. فالتباين في التهديدات المباشرة لكل دولة يؤدي إلى اختلاف في حسابات التكلفة والعائد، وهو ما يعرقل الوصول إلى إجماع كامل. اليوم، في ظل حرب غزة، والتصعيد الإسرائيلي في لبنان، والمواجهة مع إيران، والتهديدات المتزايدة لأمن الممرات الحيوية والطاقة في البحر الأحمر والخليج العربي، لم يعد ممكنًا التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر. هذه التطورات كشفت أن الأمن العربي لم يعد قضية حدود أو جيوش فقط، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدول على حماية شبكاتها الحيوية: الطاقة، التجارة، الاتصالات، والاستقرار الداخلي. وهو ما يفرض تبني مفهوم محدث لـ"الأمن متعدد الأبعاد"، الذي لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل الأمن الاقتصادي والمجتمعي والمائي والغذائي والمعلوماتي. فالهجمات لم تعد بالضرورة عسكرية مباشرة، بل قد تأتي عبر تعطيل التجارة أو استهداف الاستقرار الداخلي أو الضغط الاقتصادي. والتعامل مع هذه التهديدات يتطلب أدوات مختلفة، وتنسيقًا أعمق يتجاوز الأطر التقليدية، والبداية من إعادة رسم خريطة المهددات، وإعادة تعريفها وتوصيفها.
في هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم العمل العربي المشترك داخل أطر مثل جامعة الدول العربية، بحيث لا يقتصر على إصدار البيانات، بل يتجه نحو بناء ترتيبات مرنة تسمح بتشكيل تحالفات موضوعية واسعة تتجاوز النطاق الجغرافي العربي لتضم الفاعلين الإقليميين مثل تركيا وباكستان، للتنسيق حول قضايا محددة: أمن الممرات، مكافحة التهديدات غير التقليدية، حماية البنية التحتية للطاقة، أو إدارة الأزمات الإقليمية. هذا النمط من "التكامل المرن" أكثر واقعية في بيئة شديدة التعقيد تتسم بالتباين.
نحن اليوم أمام تحدٍّ كبير ممثل في واقع جديد يتشكل، ويتحدانا جميعًا، ولم يعد تجاهله أو تأجيل التعاطي معه أمرًا ممكنًا. حفظ الله مصر الوطن.