عبد القادر فايز: واشنطن لا تتفاوض مع الواجهة السياسية التقليدية في إيران
قال عبد القادر فايز الخبير في الشؤون الإيرانية، أن المشهد داخل طهران لا يمكن فهمه بعيدًا عن طبيعة اللحظة الراهنة، التي تراها إيران كحرب وجودية وليست مجرد مواجهة عابرة، موضحًا أن هذا الإدراك يفرض واقعًا مختلفًا في إدارة الدولة، حيث تنتقل مراكز القرار إلى المؤسسات العسكرية والأمنية.
وأشار إلى أن القيادة الفعلية في هذه المرحلة تتركز داخل المنظومة العسكرية، وعلى رأسها هيئة الأركان، التي تضم مختلف التشكيلات من الجيش والحرس الثوري والبسيج، مع بروز الدور الحاسم للحرس الثوري كقوة مهيمنة داخل هذا الهيكل، خاصة عبر مقر خاتم الأنبياء المسؤول عن التنسيق العملياتي.
رجال المرشد وصناع القرار
وأضاف فايز، خلال لقاء على قناة الجزيرة، أن النخبة التي تدير المشهد حاليًا هي ما يمكن وصفها بالنواة الصلبة للنظام، المرتبطة بشكل مباشر بمؤسسة المرشد، والتي تضم شخصيات ذات خلفيات أمنية وعسكرية واستخباراتية، لافتًا إلى أن هذه الدائرة هي التي تمتلك القرار الاستراتيجي في ظل الحرب، ما يجعل أي حديث عن تفاوض مرتبطًا بها بالدرجة الأولى.
وأوضح أن هذه البنية تعكس طبيعة النظام الإيراني في أوقات الأزمات، حيث يتقدم البعد الأمني والعسكري على السياسي، ويصبح صانع القرار الحقيقي هو من يمتلك أدوات القوة على الأرض.
قنوات تواصل أمنية عبر دول وسيطة
وبين أن الدول التي نجحت في فتح قنوات تواصل مع طهران هي تلك التي تمتلك علاقات عميقة مع المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية، وليس فقط مع الدوائر السياسية، مشيرًا إلى أن باكستان لعبت دورًا مهمًا بحكم علاقاتها العسكرية والاستخباراتية الممتدة مع إيران.
كما لفت إلى دور مصر، التي ترتبط بقنوات تنسيق أمنية مع طهران في ملفات إقليمية متعددة، إضافة إلى تركيا، التي يمثل وزير خارجيتها نموذجًا لشخصية ذات خلفية استخباراتية، ما يسهل التواصل مع بنية القرار الإيراني الحالية.
التفاوض يبدأ أمنيًا وينتهي سياسيًا
وأكد أن القنوات المفتوحة حاليًا هي في جوهرها قنوات أمنية واستخباراتية، تعكس طبيعة الطرف الذي يُمسك بزمام القرار في طهران، مشيرًا إلى أن هذه القنوات تُستخدم لتهيئة الأرضية لأي تفاوض محتمل.
وأوضح أن هذه المرحلة لا تمثل سوى جزء من العملية، إذ لا يمكن أن تفضي الاتصالات الأمنية وحدها إلى اتفاق نهائي، ما لم يتم تحويلها إلى مسار سياسي رسمي عبر المؤسسات الدبلوماسية.
دور السياسيين في تصريف التفاهمات
وأشار إلى أن وزارة الخارجية الإيرانية، بقيادة عباس عراقجي، تلعب دورًا محوريًا في تحويل هذه التفاهمات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، مؤكدًا أن العمل الدبلوماسي يمثل المرحلة النهائية لأي تسوية، كما لفت إلى أهمية الشخصيات السياسية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، مثل رئيس البرلمان، التي تحظى بثقة دوائر القرار، وتعمل كحلقة وصل بين المسارين الأمني والسياسي.
وفي ختام حديثه، أكد عبد القادر فايز الخبير في الشؤون الإيرانية، على أن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع الواجهة السياسية التقليدية في إيران، بل مع النواة الحقيقية التي تدير البلاد في زمن الحرب، والمتمثلة في القيادات الأمنية والعسكرية المرتبطة مباشرة بمؤسسة المرشد، مؤكدًا أن فهم هذه المعادلة يفسر طبيعة التحركات الحالية، ويكشف أن أي اتفاق مستقبلي لن يُصاغ إلا عبر توازن دقيق بين القوة العسكرية والتفاهمات السياسية، في مشهد يعكس تعقيدات الصراع في المنطقة.

