يبرز إسم الدكتور مصطفى محمود من جديد كأيقونة فكرية تحتفي به بعض المؤسسات وتستعد احدى الشركات لانتاج مسلسلا دراميا عنه يعرض في رمضان القادم ، وتعرض الان حلقات برنامجه الأشهر " العلم والايمان " على القنوات المصرية ، وتختصر حلقاته في بروموهات تقدم مقتطفات منه لتقدم كوجبة سهله وسريعة للمشاهدين في منازلهم ومقار عملهم .
غير أن قراءة متأنية لتراث الدكتور محمود ، خاصة في مسيرة جمعيته "جمعية مسجد مصطفى محمود" بمسجدها ومركزها الطبي ومتحفها تكشف عن ظاهرة أخطر من مجرد رحلة فكر لعالم واديب .
فقد شكلت الجمعية النموذج التطبيقي الأبرز لما يُعرف بـ "الإسلام الشعبي الموازي" – وموازاي هنا تعني بديل للدولة ودورها - وهو النموذج الذي استفادت منه جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية الاخرى لفرض هيمنتها على المجال العام في مصر ، متجاوزة مؤسسات الدولة الرسمية.
ففي مرحلة ما بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر ، ومع الانسحاب التدريجي للدولة المصرية من تقديم الخدمات الاجتماعية المجانية ذات الجودة العالية، وجدت الجمعيات الاهلية " الاسلامية " على وجه التحديد وفي مقدمتها جمعية مسجد د. مصطفى محمود مدخلا مثاليا للدخول والسيطرة على المجتمع .
جمعية " مسجد د.مصطفى محمود " لم تقدم خطاباً وعظياً سلفيا او متطرفا، بل قدمت "بديلاً عملياً" للدولة ، استقطب به الطبقة المتوسطة والفقيرة ، فلم يكن مركزه الطبي في المهندسين مجرد منشأة طبية تقدم خدمات صحية منخفضة التكاليف ، بل كان نموذجاً للرعاية المتطورة بأسعار رمزية، مما أسهم في خلق حالة من الولاء والثقة في المشروع الإسلامي كله ، باعتباره التطبيق العملي لمقولة "من قدم الخدمة استحوذ على القلوب".
في حين اعتمدت جماعة الإخوان على هذه المعادلة ، وتوسعت وانتشرت مع منتصف السبعينات عبر شبكة هائلة من المستوصفات والجمعيات الخيرية ، مستغلين مبدأ الاستقطاب عبر الخدمات وهو المبدأ الذي أسسه وكرسه مركز د. مصطفى محمود.
اضف الى ما سبق ان جمعية "مسجد محمود " لم تكن مجرد مسجد ضخم تقام به صلاة العيد او تخرج منها الجنازات الكبيرة والرسمية , بل كانت صرحاً ثقافياً متكاملاً يضم متحفاً للجيولوجيا، ومرصداً فلكياً، وقاعات للمناقشات وهذا الدمج بين الوعظ الديني والتكنولوجيا الحديثة كان له هدف استراتيجي اخر . فمن هنا تم الترويج لفكرة أن "الإسلام هو الحل" ليس فقط في المجال السياسي، بل هو المنهج العلمي والحل الاوحد لكل مشكلات الحياة ، هذا الطرح حول الدين من عقيدة فردية إلى مشروع ثقافي شامل تتبناه جماعة الاخوان .
اعتمدت الجمعية منذ بدايتها وحتى اليوم على جمع التبرعات والهبات الضخمة من دول الخليج ومن أثرياء الانفتاح الاقتصادي، ومن الذين تأثروا بالفكر السلفي ذي الصبغة الخليجية ، ومن المعجبين بالنموذج .
هذا التمويل منح مؤسسة د.مصطفى محمود استقلالية كاملة عن وزارة الأوقاف و التضامن الاجتماعي ، مما عزز فكرة إمكانية قيام "هيئات إسلامية" موازية للدولة الوطنية.
وهنا يرى باحثو سوسيولوجيا الدين في مصر أن جمعية د. مصطفى محمود ساهمت في تحويل مسار العمل الأهلي بشكل جذري ، فقبل ظهور هذا النموذج، كان العمل الأهلي في مصر يقوم على أسس حقوقية أو تنموية مدنية بعيدا عن الدين، لكن نجاح نموذج "الجمعية الخيرية الإسلامية" جعله النمط السائد والأكثر قبولاً اجتماعياً، بل والاكثر استحواذا على اموال التبرعات التي يقدم عليها اغنياء المجتمع المجتمع .
ولا يغيب علينا التأكيد ان الدكتور مصطفى محمود نفسه لم يكن ينتمي تنظيما الى الحركات الاسلامية (كالإخوان أو السلفين )، لكن المؤسسة التي أنشأها وفرت "البنية التحتية" الأيديولوجية واللوجستية التي سار عليها الإخوان والسلفيون في الثمانينيات والتسعينيات للسيطرة على الشارع المصري.
فكان شخص الدكتور مصطفى محمود هو المحرك الرئيسي في نقل المجتمع من مرحلة كانت تهيمن عليها قيم العروبة والاشتراكية و العدل ، إلى مرحلة تمهد لصعود الإسلام السياسي .
خير دليل على ذلك هو مهاجمة الدكتور مصطفى محمود المستمرة لثورة يوليو فكان يمثل نقضاً للأساس الفلسفي الذي قامت عليه الدولة الوطنية الحديثة في مصر .
ومن هنا تأتي خطورة استعادة هذا التراث ، وتقديمه كـ "إسلام معتدل" دون تفكيك آلياته المؤسسية، ويعد ترويجاً غير مباشراً للنموذج ذاته الذي مهّد الطريق لصعود التيارات الدينية التي نعاني من تبعاتها حتى الآن.