رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


 

حين نتحدث عن القراءة، قد يظن البعض أننا نتحدث عن عادة ثقافية جميلة، أو نشاط فكري يخص المثقفين وحدهم. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. القراءة ليست مجرد هواية، بل هي في جوهرها فعل حضاري، وشرط أساسي من شروط تقدم الأمم.

فكلما نظرت إلى تاريخ الأمم التي قادت العالم في العلم والاقتصاد والتكنولوجيا، وجدت وراءها مجتمعًا يقرأ. ليس لأن القراءة تزين العقول فحسب، بل لأنها تخلق القدرة على التفكير، وعلى السؤال، وعلى النقد، وعلى الابتكار. والأمم التي تفكر، هي الأمم التي تصنع مستقبلها.

لقد كانت مصر، في مراحل طويلة من تاريخها الحديث، مركزًا للقراءة في العالم العربي. كانت القاهرة مدينة الكتاب، وكانت مجلاتها وصحفها وكتبها تصل إلى كل بيت عربي من المحيط إلى الخليج. وكان القارئ العربي ينتظر ما يصدر في مصر من فكر وأدب ومعرفة. ولم يكن ذلك صدفة، بل كان نتيجة بيئة ثقافية حية، وصناعة نشر نشطة، ومؤسسات تعليمية تُقدّر قيمة المعرفة.

لكننا اليوم نقف أمام سؤال مهم: كيف نستعيد مكانة القراءة في مجتمعنا؟ وكيف نجعل القراءة مرة أخرى جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية؟

إذا نظرنا إلى الدول الأكثر قراءة في العالم اليوم، مثل فنلندا أو اليابان أو كوريا الجنوبية، نجد أن الأمر لا يتعلق فقط بحب الناس للكتب، بل بمنظومة كاملة تدعم القراءة.

لكن علينا أيضًا أن نعترف بأن الزمن تغير. لم يعد الكتاب الورقي وحده هو وسيلة القراءة. لقد دخلنا عصرًا جديدًا تتعدد فيه وسائل المعرفة. فهناك الكتاب الإلكتروني، والكتاب الصوتي، ومنصات المعرفة الرقمية. والجيل الجديد يقرأ، لكنه قد يقرأ بطريقة مختلفة عما اعتدناه نحن.

لذلك فإن الحديث عن مستقبل القراءة لا يجب أن يكون حديثًا عن الماضي، بل عن كيف نُعيد تعريف القراءة في عصرنا. فالقراءة ليست شكلًا واحدًا، بل هي علاقة الإنسان بالمعرفة، أيًّا كان الوعاء الذي تحملها.

ومع ذلك، تظل هناك تحديات حقيقية. فارتفاع أسعار الكتب، وضعف انتشار المكتبات العامة، وطبيعة التعليم القائم في كثير من الأحيان على الحفظ لا التفكير، كلها عوامل تؤثر في علاقة المجتمع بالقراءة. كما أن عالم التواصل السريع قد جعل الإنسان يميل إلى المعلومة المختصرة السريعة بدلًا من المعرفة العميقة.

لكنني لا أرى في ذلك سببًا للتشاؤم. فكل جيل يخلق أدواته الخاصة للتعلم والمعرفة. والتحدي الحقيقي ليس أن نُعيد الناس إلى طرق القراءة القديمة، بل أن نفتح أمامهم طرقًا جديدة للمعرفة.

إن مستقبل القراءة في مصر يمكن أن يكون واعدًا إذا توافرت عدة شروط بسيطة وواضحة.

أولها أن يصبح الوصول إلى الكتاب حقًا متاحًا للجميع، من خلال دعم المكتبات العامة وتوسيع انتشارها، بحيث يجد كل طفل وكل شاب مكانًا قريبًا يستطيع أن يلتقي فيه بالكتاب.

وثانيها أن يتحول التعليم من مجرد نقل للمعلومات إلى تشجيع الفضول والتفكير. فالطفل الذي يتعلم كيف يسأل، سيبحث دائمًا عن المعرفة.

وثالثها دعم صناعة النشر وتشجيع المبادرات التي تجعل الكتاب في متناول الجميع، سواء من خلال الكتاب الورقي منخفض التكلفة، أو عبر المنصات الرقمية والكتب الصوتية.

أما الأمر الرابع، وهو ربما الأهم، فهو أن تصبح القراءة جزءًا من الحياة اليومية. أن نُعيد للكتاب مكانه الطبيعي في البيت، وفي المدرسة، وفي الفضاء العام. فالطفل الذي يرى والديه يقرآن، غالبًا ما يصبح قارئًا.

في النهاية، علينا أن نتذكر أن القراءة ليست مجرد صفحات تُقلب، بل هي جسر يعبر به الإنسان من ضيق اللحظة إلى اتساع المعرفة. إنها الوسيلة التي يلتقي بها الإنسان بعقول من سبقوه، ويتحاور معهم عبر الزمن.

ولعل أجمل ما في القراءة أنها تمنح الإنسان قدرة نادرة: أن يعيش أكثر من حياة واحدة، وأن يرى العالم من أكثر من زاوية.

ولهذا، فإن الحديث عن مستقبل القراءة في مصر هو في الحقيقة حديث عن مستقبل العقل المصري نفسه. فالأمة التي تقرأ لا تعيش في الحاضر فقط، بل تملك القدرة على أن تتخيل مستقبلها، وأن تصنعه.

وأنا على يقين بأن مصر، بتاريخها الثقافي العريق، وبعقول أبنائها، قادرة على أن تستعيد مكانتها كواحدة من أهم المجتمعات القارئة في عالمنا العربي، إذا جعلنا من المعرفة أولوية، ومن القراءة طريقًا إلى المستقبل.

كيف يمكن لمصر أن تصبح دولة قارئة؟
يمكن اقتراح 5 خطوات عملية خارج الصندوق

بوضع برامج تحفيز وجوائز للقراءة:
دعوني أطرح سؤالًا بسيطًا، وربما صادمًا قليلًا.
إذا أردنا اليوم أن نجذب آلاف الناس إلى مكان ما في مصر، ماذا نفعل؟ نعلن عن جوائز مالية… أو طعام مجاني… أو خصومات. وفجأة يمتلئ المكان بالناس.

هذا ليس عيبًا في المجتمع، بل هو ببساطة طبيعة الإنسان. فالإنسان يتحرك غالبًا بالحوافز.

لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يبحث الناس عن المكسب؟
السؤال الأذكى هو: كيف نستخدم هذه الدوافع نفسها لخدمة المعرفة؟

لماذا لا نجعل القراءة مرتبطة بالمكافأة؟

تخيلوا معي مشروعًا بسيطًا اسمه:
“اقرأ… وخذ وجبة.”

طفل يقرأ كتابًا صغيرًا، أو يُلخص قصة قصيرة، ثم يحصل على كوبون وجبة.
قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه قد يُغيّر علاقة الطفل بالكتاب.

في الولايات المتحدة، طبّقت سلسلة مطاعم برنامجًا مشابهًا لسنوات طويلة، وكان الأطفال يحصلون على وجبة بيتزا مقابل قراءة عدد من الكتب.

النتيجة كانت أن ملايين الأطفال قرأوا كتبًا أكثر مما كانوا يقرأون من قبل.

الفكرة هنا ليست شراء القراءة، بل فتح الباب لها.

فحين يقرأ الطفل أول كتاب من أجل الجائزة، قد يكتشف شيئًا لم يكن يعرفه:
أن القراءة نفسها يمكن أن تكون ممتعة.

والأمر لا يقتصر على الأطفال.

يمكن أن نتخيل برامج مثل:
نقاط قراءة تتحول إلى رصيد إنترنت للشباب.
خصومات في المتاجر لمن يشارك في تحديات القراءة.
تطبيق بسيط يمنح القارئ مستويات وأوسمة وجوائز.

الشباب اليوم يعيشون في عالم الألعاب الرقمية.
فلماذا لا نحول القراءة نفسها إلى لعبة معرفية ممتعة؟

إن المشكلة ليست أن الناس لا تريد المعرفة،
بل أن الطريق إليها يبدو أحيانًا بعيدًا أو مملًا أو غير مرتبط بحياتهم اليومية.

مهمتنا إذن ليست فقط أن نقول للناس: اقرأوا،
بل أن نجعل القراءة قريبة، سهلة، ومكافأً عليها.

فإذا كنا نكافئ الناس على شراء السلع، ونكافئهم على استهلاك الطعام، فلماذا لا نكافئهم أيضًا على تغذية عقولهم؟

ربما يكون الطريق إلى مجتمع قارئ ليس عبر المزيد من الخطب الثقافية، بل عبر تصميم حوافز ذكية تجعل المعرفة جزءًا من الحياة اليومية.

وعندما يفتح الطفل كتابه الأول من أجل جائزة صغيرة، قد يكتشف في داخله عالمًا أكبر بكثير من أي جائزة. وعندها فقط تتحقق المعجزة الحقيقية:
أن يتحول القارئ من باحث عن مكافأة…
إلى باحث عن المعرفة نفسها.

قبل أن أنهي المقال، أُذكّر الناس بمبادرات رائعة كانت تؤتي ثمارًا، مثل "مشروع القراءة للجميع"،
الذي توقف بلا معنى لغياب رائدته السيدة سوزان مبارك عن الصورة السياسية.

وعلمت من زملاء وأصدقاء عن مبادرات أخرى متعددة رائعة، لا يتم النشر عنها ولا
تسويقها بالشكل المناسب.

الفرص متاحة.
نحتاج إلى استدامة في التطبيق.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء