قطع الشبكات أم تعطيل السوشيال؟ خبراء يحسمون جدل غش الثانوية العامة
يفتح الجدل المتصاعد حول مقترح تعطيل تطبيقات التواصل الاجتماعي داخل لجان امتحانات الثانوية العامة الباب أمام تساؤلات أعمق تتجاوز حدود الإجراء ذاته، لتصل إلى جوهر أزمة الغش داخل المنظومة الامتحانية.
وبينما تدرس وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني تنفيذ آليات تقنية للحد من تسريب الأسئلة، تتباين آراء الخبراء بين من يرى الحل في “قطع المنبع” بالكامل، ومن يؤكد أن الخلل الحقيقي يكمن داخل اللجان نفسها، ما يعكس انقسامًا واضحًا حول أفضل السبل لضبط الامتحانات وتحقيق العدالة.
تعطيل السوشيال ميديا حل تقني يواجه تحديات معقدة
يرى الدكتور محمد كمال، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، أن تعطيل تطبيقات التواصل الاجتماعي داخل نطاقات جغرافية محددة، مثل لجان الامتحانات، يطرح تحديات تقنية كبيرة، مؤكدًا أن آليات عمل هذه التطبيقات تختلف من منصة لأخرى، ما يجعل التحكم فيها بشكل انتقائي أمرًا معقدًا.
وأوضح كمال، في تصريحات خاصة، أن تجارب حجب المنصات عالميًا تمت على مستوى دول كاملة، وليس في نطاقات ضيقة، وهو ما يعكس صعوبة تنفيذ المقترح بدقة داخل محيط اللجان فقط، دون التأثير على خدمات أخرى.
بدائل الغش وسائل أخرى خارج نطاق السوشيال
وأكد الدكتور محمد كمال أن التركيز على السوشيال ميديا وحدها يغفل وجود وسائل أخرى لا تقل خطورة، مشيرًا إلى أن الرسائل النصية التقليدية والسماعات الصغيرة ما زالت تُستخدم في بعض حالات الغش.
وأضاف أن هذه الوسائل لا تعتمد على الإنترنت أو التطبيقات، وبالتالي لن تتأثر بأي قرار يستهدف تعطيل منصات التواصل فقط، ما يعني استمرار الظاهرة بأشكال مختلفة حتى مع تطبيق القرار.

اقطع المنبع لا الفروع.. رؤية أكثر حسمًا
وطرح أستاذ الفلسفة رؤية أكثر جذرية تقوم على ضرورة التعامل مع المصدر الأساسي للغش، مؤكدًا أن الحل الحقيقي يكمن في تعطيل شبكة الاتصالات بالكامل داخل نطاق اللجان، وليس الاكتفاء بمنع الإنترنت أو بعض التطبيقات.
وأشار إلى أن شبكة الاتصالات تمثل الوسيط الرئيسي لكل أشكال الغش الحديثة، وبالتالي فإن قطعها بشكل كامل سيمنع استخدام الهواتف أو أي وسيلة اتصال، ما يغلق الباب أمام تسريب الأسئلة أو استقبال الإجابات.
أجهزة التشويش.. حل مطروح منذ سنوات
ولفت الدكتور محمد كمال إلى أن استخدام أجهزة التشويش داخل لجان الامتحانات ليس فكرة جديدة، بل طُرحت منذ سنوات مع بداية انتشار الغش الإلكتروني، مؤكدًا أنها قادرة على قطع الاتصال بشكل كامل داخل نطاق محدد.
وأوضح أن تطبيق هذا الحل من شأنه منع أي تواصل خارجي أثناء الامتحان، سواء عبر الإنترنت أو الاتصالات التقليدية، وهو ما يحقق مستوى أعلى من التأمين مقارنة بالحلول الجزئية.
تكلفة محدودة مقابل حماية العدالة التعليمية
وفند كمال المخاوف المتعلقة بتكلفة أجهزة التشويش، مؤكدًا أنها لا تمثل عبئًا كبيرًا مقارنة بحجم الإنفاق داخل المنظومة التعليمية، مشيرًا إلى أن تكلفة هذه الأجهزة أقل من نفقات أخرى يتم تحملها سنويًا.
وشدد على أن الاستثمار في تأمين الامتحانات يجب أن يكون أولوية، باعتباره مرتبطًا بتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلاب.
تأثير القرار على قطاعات الدولة
من جانبه، يرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، أن تقييم قرار تعطيل تطبيقات التواصل يجب أن يبدأ من دراسة تأثيره على قطاعات أخرى في الدولة.
وأوضح حجازي، في تصريحات خاصة، أن تعطيل الشبكات بشكل جزئي قد يمتد تأثيره إلى أنشطة اقتصادية وخدمية تعتمد على الإنترنت، مؤكدًا أن نجاح القرار مرهون بعدم إلحاق أي ضرر بهذه القطاعات.
حل جزئي لا يمنع كل أشكال الغش
وشدد الدكتور عاصم حجازي على أن تعطيل السوشيال ميديا لن يكون حلًا جذريًا، بل مجرد وسيلة للحد من نوع محدد من الغش، وهو الغش الإلكتروني.
وأضاف أن المشكلة أعمق، حيث توجد طرق تقليدية متعددة لا تزال قادرة على تمرير الإجابات، مثل تبادل الأوراق أو استخدام الهاتف بعيدًا عن الإنترنت، ما يعني أن الظاهرة ستستمر بوسائل مختلفة.

الخلل الحقيقي داخل اللجان
وكشف حجازي أن جوهر الأزمة يتمثل في ضعف منظومة الملاحظة داخل اللجان، معتبرًا أن الملاحظ هو العنصر الأهم في ضبط العملية الامتحانية.
وأشار إلى أن السماح باستخدام الهاتف أو تصوير الأسئلة لا يمكن أن يحدث دون تقصير أو تغاضٍ، مؤكدًا أن تحسين اختيار الملاحظين ورفع كفاءتهم كان من المفترض أن يقلل الحاجة إلى حلول استثنائية.
المراقبة الإلكترونية أداة غير مستغلة بالكامل
ولفت أستاذ علم النفس التربوي إلى أن وجود كاميرات داخل اللجان يمكن أن يقلل بشكل كبير من فرص الغش، إذا تم تفعيلها ومتابعتها لحظيًا.
وأوضح أن ضعف الاستفادة من هذه الأدوات أو عدم تشغيلها بكفاءة يدفع إلى البحث عن بدائل مثل تعطيل الشبكات، رغم أن الحل قد يكون في تفعيل الأدوات المتاحة بالفعل.
أزمة ثقة في العنصر البشري
ويرى الدكتور عاصم حجازي أن الاتجاه نحو تعطيل تطبيقات التواصل يعكس غياب الثقة الكاملة في العنصر البشري داخل المنظومة الامتحانية.
وأكد أن هذا التوجه يكشف عن خلل إداري يستدعي إعادة تقييم شاملة لآليات الإشراف داخل اللجان، بدلًا من الاعتماد فقط على الحلول التقنية.
الغش تهديد لمنظومة التعليم بالكامل
وحذر الدكتور محمد كمال من أن استمرار الغش لا يقتصر تأثيره على نتائج الطلاب فقط، بل يمتد ليهدد الثقة في منظومة التعليم بأكملها.
وأوضح أن حصول طلاب على درجات لا يستحقونها يؤدي إلى التحاقهم بكليات لا تناسب قدراتهم، ما ينعكس سلبًا على أدائهم لاحقًا، فضلًا عن الإضرار بالطلاب المجتهدين.
أبعاد نفسية واجتماعية خطيرة
وأشار كمال إلى أن الغش يترك آثارًا نفسية عميقة لدى الطلاب، خاصة المجتهدين، حيث يشعرون بالظلم وفقدان العدالة، ما يؤثر على ثقتهم في المنظومة التعليمية.
وأكد أن هذه التداعيات تتجاوز حدود الامتحانات، لتصل إلى التأثير على الانتماء والثقة في مؤسسات الدولة.
نية الغش العامل الحاسم
من جانبه، أكد الدكتور عاصم حجازي أن أي عملية غش لا تتم إلا بوجود نية مشتركة بين الطالب والملاحظ وأطراف خارجية، مشددًا على أن القضاء على هذه النية يمثل التحدي الحقيقي.
وأوضح أن وجود هذه النية يدفع إلى البحث عن أي وسيلة بديلة، ما يجعل الحلول التقنية وحدها غير كافية.
مصادر: خطة لتعطيل التطبيقات داخل اللجان
وكشفت مصادر مطلعة بوزارة التربية والتعليم، في تصريحات خاصة، أن المقترح الذي يجري دراسته يتضمن تعطيل عدد من تطبيقات التواصل الاجتماعي الأكثر استخدامًا خلال زمن الامتحان فقط، وفي نطاق جغرافي محدد حول اللجان.
وأوضحت المصادر أن الهدف من هذا الإجراء هو الحد من التواصل الخارجي ومنع تسريب الأسئلة، مؤكدة أن التطبيق سيكون مؤقتًا ولن يؤثر على خدمات الإنترنت خارج نطاق اللجان أو بعد انتهاء الامتحان.
مراقبة الإنترنت وتشديد الإجراءات
وأضافت المصادر أن المقترح يأتي ضمن خطة أوسع تشمل تشديد الرقابة التقنية على شبكات الإنترنت في محيط المدارس، مع رصد أي محاولات لنشر أو تداول الأسئلة أثناء الامتحانات.
وأكدت أنه سيتم التعامل بشكل فوري مع أي نشاط إلكتروني مشبوه، إلى جانب تعزيز آليات المتابعة التقنية لضمان ضبط العملية الامتحانية.
معركة الحسم بين الحلول الجزئية والجذرية
في ظل هذا الجدل، تتباين الرؤى بين من يدعم تعطيل السوشيال ميديا كخطوة ضرورية، ومن يطالب بحلول أكثر حسمًا مثل قطع الاتصالات بالكامل أو إصلاح منظومة الملاحظة.
وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر أمام وزارة التربية والتعليم هو الوصول إلى صيغة متكاملة تجمع بين الحلول التقنية والإصلاح الإداري، بما يضمن إنهاء الغش واستعادة هيبة امتحانات الثانوية العامة وثقة المجتمع في نتائجها.