طفولة تسلب خلف جدران العادات.. زواج القاصرات في المنيا بين الفقر والسترة
تشهد قرى محافظة المنيا، كغيرها من محافظات الصعيد، استمرار ظاهرة زواج القاصرات رغم الجهود الرسمية والتوعوية، لتبقى واحدة من القضايا الاجتماعية الأكثر تعقيدًا، حيث تتشابك فيها العادات والتقاليد مع الأوضاع الاقتصادية، وتنعكس آثارها على الفتاة والأسرة والمجتمع بشكل عام
انتشار الظاهرة في القرى
تشير التقديرات إلى أن زواج القاصرات ينتشر بشكل أكبر في المناطق الريفية مقارنة بالمدن، حيث تسجل القرى نسبًا أعلى من حالات الزواج المبكر، في ظل ضعف التعليم وارتفاع معدلات الفقر.
كما يرتبط الزواج المبكر بشكل مباشر بتسرب الفتيات من التعليم، خاصة في المراحل الإعدادية، ما يزيد من فرص تزويجهن في سن صغيرة داخل بعض القرى.
علماء الاجتماع: الفقر والعادات في المقدمة
يرى الدكتور أحمد فاروق الجمعة أستاذ ورئيس قسم علم الاجتماع بآداب المنيا، أن زواج القاصرات في المنيا يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية، هي (الفقر، والجهل، والموروث الثقافي)، حيث تعتبر بعض الأسر الزواج المبكر “سترة للبنت” وتخفيفًا للأعباء الاقتصادية.
وأكد لـ"إيجبتك" أن المجتمعات الريفية لا تزال تدعم هذه الممارسات بشكل غير مباشر، بل وتلجأ أحيانًا إلى التحايل على القانون من خلال الزواج العرفي، ثم توثيقه لاحقًا بعد بلوغ الفتاة السن القانونية.
علماء النفس: صدمات مبكرة ومسؤوليات قاسية
من الناحية النفسية، تحذر الدكتورة علياء فخري المدرس المساعد بقسم علم النفس بأداب المنيا، من أن الطفلة التي تتزوج مبكرًا تتعرض لضغوط نفسية حادة، نتيجة انتقالها المفاجئ من مرحلة الطفولة إلى تحمل مسؤوليات الزواج والإنجاب.
كما يزيد الزواج المبكر من احتمالات التعرض للعنف النفسي والجسدي، ويترك آثارًا طويلة المدى على الصحة النفسية، فضلًا عن شعور القاصرات بالعزلة وفقدان الطفولة.. وتجد كثير من القاصرات أنفسهن داخل بيئة أسرية غير مستقرة، مع غياب القدرة على اتخاذ القرار، وهو ما يضاعف من حدة الأزمات النفسية.
أطباء وخبراء: مخاطر صحية جسيمة
يحذر متخصصون في المجال الطبي من أن الحمل المبكر يعرض الفتيات لمضاعفات خطيرة، مثل تسمم الحمل والولادة المتعثرة، إضافة إلى احتمالات إنجاب أطفال يعانون من مشكلات صحية.
كما أن عدم اكتمال النمو الجسدي للفتاة يجعلها أكثر عرضة لمخاطر صحية أثناء الحمل والولادة، ما يشكل تهديدًا مباشرًا على حياتها.
القانونيون.. ثغرات واستمرار التحايل
من الناحية القانونية، يحدد القانون المصري سن الزواج بـ18 عامًا، إلا أن المشكلة تكمن في عدم توثيق هذه الزيجات، ما يجعلها خارج الإطار الرسمي.
ويؤكد الدكتور حسن سعد سند عميد كلية الحقوق جامعة المنيا، أن غياب الردع الكافي لبعض الممارسات المرتبطة بتزويج القاصرات، يمثل ثغرة يستغلها البعض، إلى جانب انتشار الزواج العرفي الذي يصعب إثباته أو تتبعه، كما يؤدي هذا النوع من الزواج إلى مشكلات قانونية معقدة، مثل صعوبة إثبات نسب الأطفال أو استخراج أوراق رسمية لهم، ما يهدد مستقبلهم الاجتماعي والحقوقي.
بين الواقع والحلول
رغم الحملات التوعوية، لا تزال الظاهرة مستمرة في قرى المنيا، مدفوعة بالفقر وضعف التعليم وسيطرة العادات، ما يتطلب تدخلًا متكاملًا يشمل التوعية، وتغليظ العقوبات، وتحسين الظروف الاقتصادية.
ويرى خبراء أن المواجهة الحقيقية تبدأ من التعليم، وتمكين الفتيات، وتغيير الثقافة المجتمعية، باعتبارها الركائز الأساسية للحد من الظاهرة، وفي ظل هذه التحديات، تبقى الطفلة في القرى هي الضحية الأولى، بين مجتمع يبرر، وقانون يُتحايل عليه، وواقع يفرض عليها حياة لم تخترها.