محسن الغمري: ذكريات العيد تعيد دفء الأسرة رغم تغير الزمن | خاص
قال الروائي محسن الغمري إن مناسبة العيد لا تقتصر على كونها مناسبة دينية فقط، بل هي مناسبة شاملة تحمل أبعادًا دينية واجتماعية وثقافية في آن واحد، موضحًا أنها متجذرة في وجدان الشعب المصري، وممتدة في عمق تركيبته الإنسانية، حيث تمثل حالة من التلاقي بين القيم الروحية والعادات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال عبر الزمن.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ إيجبتك أن الاحتفال بالعيد يعكس طبيعة المجتمع نفسه، وما يحمله من تراث وتقاليد، مؤكدًا أن هذه المناسبة تظل حاضرة بقوة في حياة الناس، لما تحمله من معانٍ تتجاوز مجرد الطقوس الدينية، لتشمل جوانب إنسانية واجتماعية وثقافية مترابطة.
مظاهر الاحتفال بالعيد
وأشار إلى أن مظاهر الاحتفال بالعيد شهدت تغيرًا ملحوظًا مع مرور الزمن، لافتًا إلى أن هذا التغير أمر طبيعي يرتبط بتطور الحياة وتبدل الظروف، مؤكدًا أن «التغيير سنة الحياة»، وأنه لا يمكن لأي شيء أن يظل ثابتًا على حاله، في ظل التحولات المستمرة التي يشهدها المجتمع.
وأضاف أنه لا يميل إلى تصنيف هذا التغير باعتباره إيجابيًا أو سلبيًا، بقدر ما يراه نتيجة حتمية لتغير الزمن واختلاف السياقات، موكدا أن العادات والتقاليد المرتبطة بالعيد، بوصفها جزءًا من الطقوس الاجتماعية، تتغير من جيل إلى آخر، مشيرًا إلى أن هذا التغير قد يكون كبيرًا وملحوظًا، ويعكس الفارق بين ما كان عليه الحال في الماضي وما أصبح عليه في الحاضر.
وأضاف أن الفارق بين زمن الطفولة والوقت الحالي «شاسع للغاية»، خاصة فيما يتعلق بطبيعة التواصل الاجتماعي، حيث كان يعتمد في الماضي على التفاعل الإنساني القريب، في ظل غياب الوسائل التكنولوجية الحديثة، التي أصبحت اليوم عنصرًا أساسيًا في حياة الناس، وأسهمت في تغيير شكل العلاقات الاجتماعية وأنماط الاحتفال بالمناسبات المختلفة، ومنها العيد.
وأشار إلى أن غياب التكنولوجيا في الماضي جعل العلاقات أكثر بساطة وعمقًا، حيث كان التواصل يتم من خلال الزيارات والتجمعات العائلية، وهو ما منح الاحتفال بالعيد طابعًا أكثر دفئًا وإنسانية، مقارنة بما نشهده اليوم من تغيرات في أنماط التواصل.
طقوس العيد بين الماضي والحاضر
و أكد أن ما نشهده من اختلافات في طقوس العيد بين الماضي والحاضر هو انعكاس طبيعي لتطور المجتمع، مشددًا على أن التغير لا يمكن فصله عن حركة الزمن، وأن العيد سيظل محتفظًا بقيمته، حتى وإن تغيرت أشكال الاحتفال به.
ذكريات الطفولة المرتبطة بالعيد
قال الغمري إن ذكريات الطفولة المرتبطة بالعيد تظل من أكثر الذكريات ثراءً وعمقًا في الوجدان، لافتًا إلى أنها من كثرتها وتفاصيلها الإنسانية يمكن أن تشكّل مادة خصبة للأعمال الروائية، لما تحمله من مشاعر دافئة وصور حية لمجتمع كان أكثر تماسكًا وبساطة.
وأضاف أن استدعاء هذه الذكريات مع اقتراب العيد يفتح باب الحنين إلى زمن كانت فيه العلاقات أكثر قربًا، وكانت فيه التجمعات العائلية تمثل جوهر الاحتفال الحقيقي.
وأوضح أن أول ما تغير بشكل ملحوظ هو «حميمية الأسرة»، حيث كانت المناسبات تجمع الأب والأم والأبناء، إلى جانب الأعمام والأخوال وأبنائهم، في صورة من صور الترابط الاجتماعي التي أصبحت أقل حضورًا الآن، نتيجة تغير نمط الحياة، وتباعد المسافات، وسفر كثير من أفراد الأسرة، فضلًا عن انشغال كل فرد بحياته الخاصة.
وأضاف أن وسائل التواصل بين الناس شهدت تحولًا جذريًا، إذ لم تعد الزيارات المباشرة هي الوسيلة الأساسية للتواصل كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت الرسائل الهاتفية ووسائل التواصل الاجتماعي هي البديل السائد، وهو ما غير «طعم» العلاقات الإنسانية، على حد تعبيره، حيث كانت الزيارة تحمل معها تفاصيل إنسانية ثرية، من الجلوس المشترك إلى تبادل الأحاديث والضيافة، وهو ما تراجع بشكل كبير في الوقت الراهن.
وأشار إلى أن من أبرز مظاهر العيد في الماضي كانت الاستعدادات الخاصة بالملابس الجديدة، حيث كان الجميع، كبارًا وصغارًا، يحرصون على الظهور في أفضل هيئة، وكانت فرحة الأطفال بهذه الملابس تبلغ حد التعلق بها قبل ارتدائها، بما يعكس قيمة البهجة البسيطة التي كانت تصاحب هذه المناسبة، كما لفت إلى أن تجهيز المنازل للعيد، من تنظيف وترتيب وتزيين، كان يمثل طقسًا أساسيًا، لا يزال موجودًا جزئيًا، لكنه فقد الكثير من روحه القديمة.
إعداد كحك وبسكويت
وأكد أن طقس إعداد كحك وبسكويت العيد في المنازل كان من أبرز مظاهر الاحتفال؛ إذ كانت الأسر والجيران يجتمعون في أجواء من الألفة، يتعاونون ويتبادلون الخبرات، ويشارك الأطفال بحماس واضح، سواء في تشكيل العجين أو نقش الكحك.
وأشار إلى أن هذا التقليد شهد تراجعًا ملحوظًا في الوقت الحالي مع انتشار شراء المنتجات الجاهزة، لافتًا إلى أن ذلك أفقد العيد جانبًا مهمًا من بهجته وروحه الجماعية.
وتابع أن اختفاء الأفران المنزلية، سواء في الريف أو المدينة، كان له دور كبير في تراجع هذه العادات، حيث كانت البيوت تعتمد في الماضي على إعداد الخبز والحلويات داخلها، وهو ما خلق حالة من الاكتفاء الذاتي والدفء الأسري، بينما أصبحت هذه الأمور الآن تعتمد بشكل شبه كامل على الشراء من الخارج.
وأضاف أن من الطقوس التي ارتبطت بالعيد أيضًا «حمام العيد»، الذي كان يتم بوسائل بسيطة، مثل تسخين المياه بطرق تقليدية، ورغم ما كان يحمله من مشقة، فإنه كان يمثل لحظة خاصة لها طابع احتفالي، تغيرت ملامحها مع تطور وسائل الحياة الحديثة.
أجواء العيد
وأشار إلى أن صباح العيد كان يبدأ بالاستيقاظ المبكر، وارتداء الملابس الجديدة، والتوجه لصلاة العيد في أجواء جماعية، مؤكدًا أن «العيدية» كانت تمثل ذروة فرحة الأطفال، لما تمنحه لهم من إحساس بالاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار، حيث كانوا يخططون لكيفية إنفاقها على الألعاب أو الحلوى أو الترفيه.
وأوضح أن مظاهر الاحتفال تغيرت كذلك من حيث الأنشطة، حيث لم تكن فكرة تناول الطعام خارج المنزل شائعة، بل كان الاعتماد الأساسي على الطعام المنزلي، في حين أصبح الخروج إلى المطاعم اليوم أحد أبرز مظاهر الاحتفال لدى كثير من الأسر.
كما أشار إلى أن الألعاب قديمًا كانت تعتمد على الجماعية، مثل اللعب في الشوارع والساحات، بينما أصبحت الآن في أغلبها فردية، تعتمد على الأجهزة الإلكترونية، وهو ما أثر على طبيعة التفاعل الاجتماعي بين الأطفال.
وأكد أن التغيرات التي طرأت على المجتمع انعكست بوضوح على شكل الاحتفال بالعيد، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الناس أصبحوا يكتفون بالتهنئة عبر الهاتف أو الرسائل، بدلًا من الزيارات المباشرة، وهو ما أدى إلى تراجع التواصل الإنساني الحقيقي.
تعزيز قيم التسامح
واختتم الغمري تصريحاته بالتأكيد على أن العيد يظل مناسبة مهمة لتعزيز قيم التسامح والترابط الاجتماعي، مشيرًا إلى أن الطقوس القديمة، مثل إعداد الكحك في المنازل، كانت تجمع بين الجيران على اختلاف خلفياتهم مسلمين كانوا او مسيحيين ، وهو ما يعكس روح التعايش والتكافل.
وأضاف أن العيد كان دائمًا فرصة لتجاوز الخلافات وتجديد العلاقات، مؤكدًا أن الحفاظ على هذه القيم يظل مسؤولية مجتمعية في مواجهة التغيرات المتسارعة.