دار الكتب.. رحلة طويلة بين حفظ التراث ونشر الثقافة والمعرفة
في مثل هذا اليوم 23 مارس 1870، اقترح علي باشا مبارك، ناظر ديوان المعارف، على الخديو إسماعيل تأسيس مكتبة وطنية تجمع المخطوطات والكتب النادرة وورق البردي القديم، بعد أن لاحظ تناثر هذه الكنوز بين المساجد وبيوت العلماء ومخازن الأوقاف، وخشية ضياع هذا الإرث الفكري، وهكذا ولدت "الكتبخانة"، التي تعرف الآن باسم دار الكتب والوثائق القومية، لتصبح أول مكتبة وطنية في العالم العربي تحتفظ بمخزون ضخم من المعرفة والثقافة.
البدايات العملية
أصدر الخديو إسماعيل الأمر رقم 66 بتأسيس الدار، وعقد أول اجتماع بديوان المدارس برئاسة علي مبارك، وتم وضع أول قانون رسمي للدار في يوليو 1870، برئاسة أول مدير أجنبي لودفيك شترن، قبل أن يتولى الشيخ محمد الببلاوي، أول مصري، رئاسة الدار عام 1882، ليصبح فيما بعد شيخًا للأزهر.
في البداية، كان مقر الدار في سراي مصطفى فاضل بدرب الجماميز، مع نحو ثلاثين ألف مجلد ومخطوط، وفريق عمل يجمع بين موظف مصري وآخر تركي، في ظل الاحتلال العثماني، لفهرسة وحفظ الكتب.
أسماء متغيرة
على مدار تاريخها، تغير اسم الدار عدة مرات: بدأت باسم "الكتبخانة الخديوية"، ثم "دار الكتب الخديوية" 1892، ثم "دار الكتب السلطانية" 1914، و"دار الكتب الملكية"، وصولًا إلى "دار الكتب المصرية" عام 1927، و"دار الكتب والوثائق القومية" 1966، وأخيرًا "الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية" منذ 1993، لتصبح رمزًا وطنيًا للمعرفة والثقافة في مصر.

إرث ضخم
في عام 1899 وضع الخديو عباس حلمي الثاني حجر الأساس لمبنى جديد يجمع بين دار الكتب ودار الآثار العربية (متحف الفن الإسلامي لاحقًا) بميدان باب الخلق، مع تخصيص طابق مستقل للكتبخانة، التي فتحت أبوابها للجمهور عام 1902، ضمت مكتبة الدار في بدايتها مجموعات ضخمة، منها مكتبة الأمير مصطفى فاضل ومكتبة حسن باشا المانسترلي، إضافة إلى مجموعات أجنبية من الجمعية المصرية للعلماء والرحالة، لتصبح الدار مركزًا معرفيًا عالميًا يجمع بين التراث المحلي والمطبوعات الأجنبية.
القوانين والتنظيم
من أبرز ما يميز الدار صدور منشور ملكي ينظم العمل فيها، يحدد مواعيد الدوام من الثامنة صباحًا حتى الغروب، مع تعديلها في رمضان، وينص على ضرورة إعادة الكتب في الوقت المحدد، ومنع كتابة أي ملاحظات على المخطوطات، كما كان منح رخص خاصة للاستعارة خارج الدار لأسباب ضرورية، ما يعكس حرص مؤسسي الدار على حماية المحتوى وتوفير خدماته للباحثين والمثقفين.

انتقال الدار وتوسيعها
مع مرور السنوات، زاد عدد الكتب والمخطوطات حتى ضاق المبنى القديم، وتم التخطيط لمبنى جديد على كورنيش النيل برملة بولاق، مع البدء في نقل المحتويات ابتداءً من 1971، وبعد إنشاء الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1971، ضمت الهيئة دار الكتب، ودار الوثائق، ودار التأليف والنشر، ليصبح المبنى الجديد صرحًا معرفيًا متكاملاً، يحفظ التراث الثقافي المصري ويتيح خدمات بحثية متطورة للجمهور.
واليوم، وبعد 156 عامًا، لا تزال دار الكتب والوثائق القومية صرحًا ثقافيًا ومعرفيًا يضم ملايين المخطوطات والمجلدات والكتب النادرة، محققًا رؤية مؤسسيه في حفظ التراث، ونشر الثقافة، وتعزيز البحث العلمي، لتبقى نقطة التقاء للمثقفين والباحثين، وواجهة حضارية تعكس تاريخ مصر العريق وإسهامها في المعرفة الإنسانية.