"صندوق وطني للمعرفة".. خطة خروج البحث العلمى من الأدراج |خاص
في إطار النقاش المتصاعد حول مستقبل البحث العلمي في مصر، طرح الدكتور محمد فوزي عبدالعال، عضو هيئة التدريس بجامعة أسيوط، رؤية تحليلية موسعة بعنوان “ثورة المعرفة المصرية 2026”، مؤكدًا أن مصر تقف اليوم أمام لحظة فارقة للانتقال من مرحلة بناء القدرات البحثية إلى مرحلة توظيفها اقتصاديًا وصناعيًا على نطاق واسع، بما يؤهلها لقيادة الإقليم في مجال الاقتصاد المعرفي.
المرصد المصري للعلوم والتكنولوجيا والابتكار
وأوضح الدكتور محمد فوزي، في تصريحات خاصة لموقع “إيجبتك”، أن ما كشفه تقرير المرصد المصري للعلوم والتكنولوجيا والابتكار (ESTIO) يمثل نقطة تحول مهمة، حيث أظهر التقرير ارتفاع عدد الباحثين في مصر إلى نحو 212 ألف باحث، وبلوغ الإنفاق على البحث والتطوير نسبة 1.02٪ من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب وصول نسبة مشاركة المرأة في الجامعات إلى 55٪، وتحقيق نمو في القوة البحثية تجاوز 70٪ خلال العقد الأخير.
وأكد أن هذه المؤشرات تعكس نجاح الدولة المصرية في بناء قاعدة علمية صلبة، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى قدرة هذه القاعدة على التحول إلى قوة إنتاجية حقيقية تدعم الاقتصاد الوطني.
قاعدة بحثية قوية.. ولكن التحدي في المخرجات
وأشار عضو هيئة التدريس بجامعة أسيوط إلى أن قطاع التعليم العالي يستحوذ على نحو 64٪ من إجمالي الباحثين و70٪ من الإنفاق البحثي، وهو ما يعكس قوة البنية الأكاديمية، لكنه يكشف أيضًا عن اختلال هيكلي يتمثل في ضعف التحول نحو البحث التطبيقي.
وأضاف أن مساهمة قطاع الأعمال لا تتجاوز 12٪، بينما لا تتعدى مساهمة المؤسسات غير الهادفة للربح 1٪ فقط، وهو ما يعني أن الغالبية العظمى من الأبحاث لا تجد طريقها إلى الصناعة أو الأسواق، وتظل حبيسة الإنتاج الأكاديمي دون أثر اقتصادي مباشر.
وفي المقابل، أشار إلى أن مصر حققت تقدمًا مهمًا في عدد الباحثين لكل مليون نسمة، حيث ارتفع من 1144 إلى 1819 باحثًا، وهو ما يعكس توسعًا كبيرًا في قاعدة الإنتاج العلمي، إضافة إلى أن ارتفاع نسبة مشاركة المرأة إلى 55٪ يمثل تحولًا اجتماعيًا مهمًا سيكون له أثر طويل المدى على منظومة البحث العلمي.
إعادة هيكلة منظومة البحث العلمي
ودعا الدكتور محمد فوزي إلى ضرورة إعادة النظر في توزيع الإنفاق البحثي في مصر، بحيث يتم التوجه تدريجيًا نحو نموذج أكثر ارتباطًا بالصناعة، مقترحًا أن يكون التوزيع المستهدف بحلول عام 2028 على النحو التالي : 40٪ لقطاع الأعمال ، 30٪ للجامعات، 20٪ للمراكز البحثية الحكومية، 10٪ للقطاع الخاص والمجتمع المدني.
“صندوق وطني لتحويل المعرفة
وشدد على أهمية إنشاء “صندوق وطني لتحويل المعرفة” بتمويل سنوي يصل إلى 10 مليارات جنيه، لا يُموّل إلا المشاريع البحثية المرتبطة بشراكات صناعية حقيقية لا تقل عن 50٪ من تكلفة المشروع، بهدف ضمان تحويل البحث العلمي إلى منتجات قابلة للتسويق.
وأكد أن هذا النموذج مستوحى من تجارب دول مثل كوريا الجنوبية والصين، التي نجحت في مضاعفة مساهمة البحث والتطوير في الناتج المحلي خلال عقد واحد فقط عبر ربط العلم بالصناعة.

الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي للتنمية
وفي سياق متصل، أوضح الدكتور محمد فوزي أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لمصر، خاصة مع وجود أكثر من 40 ألف طالب وخريج في مجالات علوم البيانات والذكاء الاصطناعي.
واقترح إنشاء “المركز الوطني المفتوح للذكاء الاصطناعي” بالعاصمة الإدارية الجديدة، ليكون منصة مركزية تربط الجامعات المصرية على مدار الساعة، وتعمل على:تطوير نماذج لغوية مصرية ، وتحويل الأبحاث إلى نماذج أولية خلال 90 يومًا، وربط الباحثين بالمستثمرين محليًا وإقليميًا
وأشار إلى أن هذا النموذج يمكن أن يحدث نقلة نوعية في سرعة تحويل المعرفة إلى منتجات وشركات ناشئة، بدلًا من الفجوة الزمنية الطويلة الحالية بين البحث والتطبيق.
مشروعات استراتيجية كبرى
كما طرح رؤية لعدد من المشروعات القومية التي يمكن أن تشكل قفزة نوعية في الاقتصاد المعرفي المصري، من بينها:مشروع “سيليكون دلتا”، من خلال إنشاء منطقة صناعية متخصصة في أشباه الموصلات داخل الدلتا الجديدة، بالشراكة مع دول رائدة في آسيا مثل تايوان وكوريا الجنوبية.
كما أقترح إقامة مركز الفضاء المصري، حيث يعد مشروع وطني يهدف إلى إطلاق قمر صناعي مصري بالكامل بحلول عام 2029، لتعزيز القدرات التكنولوجية في مجالات الاتصالات والاستشعار عن بعد.
ويرى أهمية إقامة جامعة الجينوم المصري، كونها مؤسسة بحثية متخصصة في دراسة الجينات والأمراض الوراثية المنتشرة في المنطقة، مع التركيز على الأمراض العصبية والنفسية، وتطوير حلول علاجية ولقاحات محلية.
وأكد أن هذه المشروعات قادرة على جذب آلاف الباحثين، ورفع معدلات الابتكار وبراءات الاختراع بشكل غير مسبوق.
ربط الجامعات بالصناعة
وشدد الدكتور محمد فوزي على أن أحد أهم التحديات يتمثل في ضعف الترابط بين الجامعات وقطاع الصناعة، مؤكدًا أن هذا الملف يحتاج إلى إصلاح جذري.
واقترح أن يتم تقييم القيادات الجامعية بناءً على عدد الشركات الناشئة الناتجة عن الأبحاث ، وحجم العقود مع القطاع الصناعي ، ونسبة تحويل البحث العلمي إلى منتجات
كما دعا إلى تطبيق نظام “الحوافز المعكوسة”، بحيث تحصل الجامعات الأكثر إنتاجًا وتأثيرًا اقتصاديًا على دعم إضافي، بينما يتم إعادة تقييم الجامعات الأقل ارتباطًا بسوق العمل.
واقترح كذلك برنامج “الباحث المُصنّع”، الذي يتيح لأعضاء هيئة التدريس قضاء سنة كاملة داخل الشركات قبل العودة إلى الجامعة، بهدف تعزيز الخبرة التطبيقية وربط البحث العلمي بالواقع الصناعي.
خطة 100 يوم للتحول
وقدم عضو هيئة التدريس بجامعة أسيوط تصورًا تنفيذيًا سريعًا يمكن تطبيقه خلال أول 100 يوم، يشمل، إطلاق صندوق تحويل المعرفة بقيمة 10 مليارات جنيه
تسريع إنشاء الجامعات التكنولوجية التطبيقية ، وإصدار قانون “الابتكار الوطني” لدعم توظيف الباحثين في القطاع الخاص ، وإطلاق منصة “ابتكر مصر” لربط الأبحاث بالمستثمرين خلال 72 ساعة
كما طالب بإنشاء جائزة سنوية كبرى لأفضل الابتكارات القابلة للتصدير
رؤية 2030: مصر مركز إقليمي للابتكار
واختتم الدكتور محمد فوزي رؤيته بالتأكيد على أن مصر تمتلك فرصة تاريخية للتحول إلى مركز إقليمي للابتكار بحلول عام 2030، عبر تحقيق مجموعة من المستهدفات، أبرزها:500 ألف باحث ، و2.5٪ من الناتج المحلي للبحث والتطوير ، و20 ألف براءة اختراع سنويًا ، و100 شركة يونيكورن في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ، و50 مليار دولار صادرات معرفية
وأكد أن هذه الأهداف ليست طموحات نظرية، بل يمكن تحقيقها إذا تم الانتقال من نموذج “إنتاج المعرفة” إلى نموذج “تسويق المعرفة”.
استعادة العقول المهاجرة
كما دعا إلى إطلاق برنامج “عودة العقول 2026”، والذي يستهدف جذب 1000 عالم مصري سنويًا من الخارج، عبر تقديم دعم مالي يصل إلى مليون جنيه لكل عالم يعود لإنشاء مختبر أو شركة بحثية داخل مصر.
واختتم الدكتور محمد فوزي عبدالعال تصريحاته لموقع “إيجبتك” بالتأكيد على أن مصر تمتلك اليوم كل مقومات التحول إلى قوة معرفية كبرى، لكن التحدي الحقيقي يكمن في اتخاذ القرار الجريء بتحويل البحث العلمي إلى اقتصاد إنتاجي متكامل.
وقال إن التاريخ سيسجل المرحلة القادمة باعتبارها لحظة الحسم:
إما الانتقال إلى اقتصاد الابتكار.. أو البقاء في حدود الإنجاز الأكاديمي التقليدي ، مضيفا أن مصر ليست فقط أم الدنيا.. بل يمكن أن تكون أم الابتكار في القرن الحادي والعشرين.





