بين ضفتي الأطلسي.. تصدعات الموقف الغربي في أزمة مضيق هرمز
تشهد الأزمة المتصاعدة في مضيق هرمز حالة من التباين الواضح بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، في ظل تصاعد التوترات مع إيران واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، هذه التباينات لا تعكس فقط اختلافًا تكتيكيًا في إدارة الأزمة، بل تكشف عن فجوة استراتيجية أعمق في إدراك التهديدات وأولويات الأمن القومي بين ضفتي الأطلسي.
أولًا: واشنطن والحسم العسكري
تتبنى الولايات المتحدة مقاربة تقوم على فرض السيطرة الكاملة على خطوط الملاحة الدولية، خاصة في الخليج العربي، باعتبار أن أي تهديد لإمدادات الطاقة يمثل خطرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي، وترى واشنطن أن السلوك الإيراني في المضيق سواء عبر التهديدات أو العمليات غير المباشرة، يستوجب ردعًا حاسمًا، ويتراوح بين تعزيز الوجود العسكري، وتشكيل تحالفات بحرية، وصولًا إلى خيارات الضربات المحدودة.
هذه الرؤية تنطلق من عقيدة أمنية تعتبر أن كلفة عدم الرد أعلى بكثير من كلفة التصعيد، خاصة في ظل ارتباط الملف الإيراني بملفات أخرى، مثل البرنامج النووي ونفوذ طهران الإقليمي.
الصعوبات التي تواجه سيناريو فتح المضيق بالقوة العسكرية الأميركية تقف وراء دعوة ترامب الصين وغيرها من الدول إلى تشكيل ائتلاف دولي يقوم بفتح هذا الممر المائي المهم للاقتصاد العالمي. ومن غير المتوقع أن تنضمّ الصين إلى هذا الائتلاف، على الرغم من الإحراج الذي تشكله دعوة ترامب لها، إذ تقع الآن بين خيار الوقوف إلى جانب إيران أو التطلع إلى شراكتها التجارية مع واشنطن، وما قد يلحق بها من أضرار إذا حدثت أزمة اقتصادية عالمية.

الكاتب الأمريكي Thomas Friedman في The New York Times طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن اليوم التالي للحرب؟ فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لا يعني بالضرورة سقوط النظام في طهران، كما أن إسقاطه قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية جديدة، على غرار ما حدث في العراق بعد عام 2003.
ومن زاوية أخرى، يرى الكاتب David Ignatius في The Washington Post أن المشكلة الأساسية لا تكمن في القدرة العسكرية بقدر ما تكمن في غياب تصور واضح لنهاية الحرب، فالتاريخ الحديث يظهر أن الحروب التي تبدأ بضربات سريعة ومركزة قد تتحول إلى نزاعات طويلة إذا لم تكن هناك استراتيجية سياسية واضحة لما بعد العمليات العسكرية.
ثانيًا: أوروبا بين الحذر والانقسام
في المقابل، تبدو العواصم الأوروبية أكثر حذرًا في الانخراط في أي مواجهة مباشرة مع إيران، حيث تفضل تبني مقاربة مزدوجة تقوم على احتواء التصعيد والدفع نحو الحلول الدبلوماسية، ففي داخل الاتحاد الأوروبي، تتباين المواقف بين دول تدعم موقفًا أكثر تشددًا، وأخرى تخشى تداعيات الحرب على أمن الطاقة والاستقرار الداخلي.
أما حلف شمال الأطلسي، فيواجه معضلة حقيقية، فبينما تملك الولايات المتحدة القدرة على دفع الحلف نحو تدخل عسكري، فإن غياب الإجماع الأوروبي يحد من إمكانية تفعيل المادة الخامسة أو إطلاق عملية عسكرية مشتركة واسعة، ومن ثم فإن أقصى ما يمكن أن يقدمه الناتو في هذه المرحلة هو دعم لوجستي واستخباراتي، دون الانخراط في حرب مفتوحة، تجنبًا لتفجير الداخل الأوروبي سياسيًا واقتصاديًا.

السمة الغالبة على تصريحات القادة الأوروبيين تشي بأنهم لم يكونوا يفضلون اندلاع هذه الحرب في المقام الأول، بل كانوا يتطلعون إلى تسوية ديبلوماسية سلمية للنزاع الأمريكي الإيراني بجوانبه المختلفة، بما يؤدي إلى التخلص من هموم متصلة بالبرنامج النووي الإيراني، وربما أيضا ببرنامج الصواريخ الباليستية. ولكن ما فجر الخلاف بشكل أكبر، وأخرجه إلى العلن، كان تصريحات علنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقد فيها عدداً من الحلفاء على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، وخص بالذكر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، متهمًا إياه بعدم قبوله استخدام القواعد العسكرية البريطانية لشن الهجمات الأميركية على إيران.
انتقادات الرئيس ترامب لم تقف عند حدود رئيس الحكومة البريطانية، بل امتدت، إلى رؤساء أو رؤساء حكومات دول أخرى في الناتو أو في أوروبا، مذكرًا الجميع بأن الولايات المتحدة تحارب إيران نيابة عنهم جميعًا، ومن أجل الاستقرار والسلام والأمن العالمي، بحسب قوله.
ورغم تجاهل القادة الأوروبيين الرد أو التعليق على تصريحات الرئيس ترامب، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني، في ظل حرصهم على الحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي مع واشنطن التي يحتاجون إليها، فإن الرئيس الأمريكي، وبخلاف موضوعات أخرى راجع وغيّر مواقفه إزائها منذ اندلاع الحرب، استمر في توجيه الانتقادات إلى الحلفاء في الناتو، وعندما أعلنت بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى بدء إرسال قوات، ولو رمزية، لتكون بالقرب من ميدان القتال، خرج ترامب ليعلن أن واشنطن ليست بحاجة إلى الدول الأخرى في الناتو، وأن بلاده سوف تنتصر وحدها، بل إنها بالفعل انتصرت.
ثالثًا: المشاركة البريطانية
تمثل المملكة المتحدة حالة خاصة داخل المعسكر الأوروبي، إذ تميل تقليديًا إلى الاصطفاف مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته تدرك حساسية الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، فقد تدعم لندن عمليات بحرية محدودة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، لكنها ستتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، خاصة في ظل ضغوط داخلية تتعلق بالاقتصاد والتوازنات السياسية بعد مرحلة ما بعد "بريكست".

رابعًا: تداعيات الحرب على الدول الأوروبية
أي مواجهة عسكرية مع إيران ستنعكس بشكل مباشر على أوروبا عبر عدة مسارات، أهمها أزمة الطاقة في ظل اعتماد أوروبا جزئيًا على إمدادات الطاقة القادمة عبر الخليج العربي، وأي اضطراب في مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، بجانب "تصاعد التهديدات الأمنية"، إذ قد تنشط شبكات موالية لإيران داخل أوروبا، سواء عبر عمليات مباشرة أو هجمات سيبرانية، مما يرفع من مستوى التهديد الداخلي، فضلا عن "الأزمة السياسية الداخلية"، حيث ستؤدي الحرب إلى انقسام داخل المجتمعات الأوروبية، خاصة مع تصاعد التيارات اليسارية واليمينية الرافضة للتدخلات العسكرية الخارجية.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن التصعيد العسكري في المنطقة لا يهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية فحسب، بل قد يرفع أيضاً مستوى التهديدات الأمنية في داخل القارة، سواء عبر شبكات مراقبة أو عمليات سريّة أو أنشطة تستهدف معارضين ومؤسسات حسّاسة.
وخلال السنوات الماضية كشفت عدة دول أوروبية قضايا أمنية مرتبطة بأنشطة يشتبه بارتباطها بفيلق القدس الإيراني، إذ أعلنت السلطات في بلجيكا وفرنسا عام 2018 إحباط مخطط لاستهداف تجمع للمعارضة الإيرانية قرب باريس. وأسفرت التحقيقات لاحقاً عن إدانة ديبلوماسي إيراني كان يعمل في سفارة بلاده في فيينا، في قضية اعتُبرت سابقة في العلاقات بين أوروبا وطهران.

وأكد التقرير السنوي أيضاً، الصادر عام 2020 عن المكتب الاتحادي لحماية الدستور الألماني، أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية تواصل نشاطها داخل أوروبا، مع تركيز على جمع معلومات سياسية وأمنية ومراقبة معارضين إيرانيين في الخارج. وأشار التقرير إلى أن بعض العمليات قد تُنفذ تحت غطاء ديبلوماسي أو تجاري أو ثقافي، وهي أساليب معروفة في عالم الاستخبارات، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً خلال السنوات الأخيرة مع استخدام شبكات غير مباشرة ووسائل اتصال حديثة.
وأعلنت السلطات في الدنمارك في العام نفسه إحباط مخطط لاغتيال شخصية معارضة إيرانية تقيم على أراضيها، ما أدى إلى توتر ديبلوماسي واسع، وفتح نقاش داخل أوروبا حول تشديد الإجراءات المرتبطة بأنشطة استخباراتية أجنبية. وفي ألمانيا دانت محكمة عام 2018 شخصاً بتهمة التجسس لصالح فيلق القدس بعد قيامه بمراقبة أهداف يهودية وإسرائيلية داخل البلاد. وفي عام 2023، أعلنت السلطات الألمانية توقيف مترجم يعمل لدى الجيش الألماني بشبهة التجسس لصالح جهة مرتبطة بإيران، في قضية عكست حساسية المؤسسات العسكرية الأوروبية تجاه أي اختراق أمني محتمل.
كما حذرت وكالة الشرطة الأوروبية في تقرير صدر عام 2025 من أن التوترات المرتبطة بإيران قد تنعكس على أمن أوروبا، بما في ذلك ارتفاع خطر الإرهاب والهجمات السيبرانية والجريمة المنظمة. وأشارت الوكالة إلى احتمال استغلال الصراعات الإقليمية في تنفيذ حملات تأثير أو عمليات مزعزعة للاستقرار داخل القارة.
خامسًا: الانعكاسات على الشرق الأوسط
في المقابل، سيكون الشرق الأوسط هو الساحة الأكثر تأثرًا بأي تصعيد عسكري، في إطار اتساع رقعة الصراع، فقد تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية تشمل أطرافًا متعددة، من العراق إلى سوريا ولبنان، وكذلك تهديد الملاحة الدولية"، من خلال استمرار إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز ما سيؤدي إلى الشلل التام في حركة التجارة العالمية، و"تصاعد دور الفاعلين غير الدوليين"، من الميليشيات والأذرع المرتبطة بإيران والتي قد تلعب دورًا محوريًا في توسيع نطاق الصراع، ما يعقّد أي جهود لاحتوائه.

سادسًا: سيناريوهات الحرب
يمكن تصور مجموعة من السيناريوهات، الأول، يتمثل في "احتواء الأزمة"، وذلك عبر ضغوط دبلوماسية وتفاهمات غير معلنة، وهو السيناريو المفضل أوروبيًا، والثاني "تصعيد محدود"، ويشمل ضربات عسكرية محدودة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع بقاء التوتر قائمًا، بينما الثالث يتمثل في "المواجهة المفتوحة"، وهو السيناريو الأخطر، حيث تتحول الأزمة إلى حرب إقليمية واسعة، مع تداعيات عالمية غير محسوبة.
تكشف أزمة مضيق هرمز عن حقيقة جوهرية، مفادها أن التحالف الغربي لم يعد كتلة صلبة كما كان في السابق، بل بات تحالفًا هشًا تحكمه المصالح المتباينة والرؤى المتعارضة وفي ظل هذا التصدع، تبدو أوروبا أكثر ميلًا لتجنب الحرب، بينما تظل الولايات المتحدة مستعدة للمخاطرة، ما يضع المنطقة والعالم أمام مفترق طرق حاسم، قد يعيد تشكيل موازين القوى الدولية لعقود قادمة.
- # الولايات المتحدة
- # دونالد ترامب
- # الدنمارك
- # المملكة المتحدة
- # ترامب
- # الصين
- # مواجهة عسكرية
- # واشنطن
- # لبنان
- # العراق
- # إيران
- # البرنامج النووي
- # الاقتصاد العالمي
- # فرنسا
- # طهران
- # الناتو
- # لندن
- # الخليج العربي
- # مضيق هرمز
- # إمدادات الطاقة
- # تعزيز الوجود العسكري
- # النفط والغاز
- # الأوروبيين
- # أزمة مضيق هرمز
- # الملاحة الدولية