رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


 

في خضم التوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة، يبرز خطاب متكرر يسعى إلى تصوير هذا الصراع على أنه مواجهة ذات طابع ديني، وكأنها معركة بين حق وباطل. غير أن هذا التوصيف لا يعكس حقيقة الصراع بقدر ما يعكس محاولة واعية لإعادة تشكيله في وعي الجماهير، خصوصًا في العالمين العربي والإسلامي.

 


في الواقع، لا يمكن فهم هذا الصراع من خلال عدسة دينية صِرفة، لأن معطياته الأساسية تنتمي إلى عالم السياسة والاستراتيجية، لا إلى عالم العقائد. فالولايات المتحدة تتحرك ضمن إطار مصالحها العالمية، وتسعى للحفاظ على نفوذها وتوازناتها الدولية، بينما تعمل إيران على تثبيت حضورها الإقليمي وتعزيز أوراق قوتها في مواجهة الضغوط والعقوبات. هذه المعادلة، في جوهرها، هي معادلة قوة ونفوذ، لا معادلة إيمان وعقيدة.

 


لكن ما يلفت الانتباه هو أن إيران تحاول بشكل ممنهج إضفاء طابع ديني على هذا الصراع. فهي تقدم نفسها في كثير من الأحيان كطرف مقاوم في مواجهة الاستكبار، وتستخدم مفردات دينية وتاريخية مشحونة بالرمزية، بهدف كسب تعاطف الشارع العربي والإسلامي، واستحضار حالة وجدانية تربط الصراع بقضايا كبرى مثل العدالة والكرامة ومواجهة الهيمنة.

 


هذا التوظيف للخطاب الديني لا يأتي من فراغ، بل هو جزء من استراتيجية إعلامية وسياسية تهدف إلى توسيع دائرة التأييد الشعبي خارج حدود إيران، خاصة في بيئات تعاني من أزمات سياسية أو شعور بالظلم التاريخي. فحين يُقدَّم الصراع على أنه دفاع عن الأمة أو مواجهة مع قوى ظالمة، يصبح من الأسهل حشد الدعم، حتى لو كانت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا وأقل مثالية.
غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من التبسيط، بل والتضليل أحيانًا. فالصراع، كما تشير الوقائع، لا يدور حول قيم دينية بقدر ما يتمحور حول ملفات استراتيجية واضحة، مثل البرنامج النووي، والنفوذ في الشرق الأوسط، والتحكم بمسارات الطاقة، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. وهي ملفات لا يمكن اختزالها في ثنائية الحق والباطل، لأنها تخضع لحسابات دقيقة تتداخل فيها المصالح مع التوازنات العسكرية والسياسية.

 


الأخطر من ذلك أن تأطير الصراع دينيًا يفتح الباب أمام استغلاله لإثارة الانقسامات داخل العالم العربي والإسلامي نفسه. فبدلًا من أن يكون هذا الخطاب عامل توحيد، قد يتحول إلى أداة لتعميق الاستقطاب، خاصة في ظل وجود حساسيات مذهبية وسياسية قائمة. وهنا يصبح الدين، بدلًا من أن يكون عنصر تهدئة أو توجيه أخلاقي، وسيلة تعبئة في صراع لا تحكمه في الأساس معايير دينية.
كما أن هذا الطرح يُصعّب من إمكانية الوصول إلى حلول سياسية واقعية، لأن الصراعات التي تُقدَّم على أنها دينية تميل إلى الطابع المطلق، حيث تقل مساحة التنازل والتسوية. بينما الحقيقة أن مثل هذا الصراع، كغيره من الصراعات الدولية، قابل للاحتواء والتفاوض متى ما توفرت الإرادة السياسية وتوازن المصالح.

 


إن قراءة هذا المشهد بوعي تقتضي التمييز بين الخطاب والواقع، بين ما يُقال لتعبئة الجماهير، وما يجري فعليًا في غرف القرار. فإيران، رغم استخدامها المكثف للغة الدينية، تتحرك في نهاية المطاف وفق حسابات دولة تسعى إلى تعظيم مكاسبها وتقليل خسائرها، تمامًا كما تفعل أي قوة أخرى.

 


إن إلباس الصراع بين إيران والولايات المتحدة ثوبًا دينيًا لا يعبّر عن حقيقته، بل يخدم أهدافًا سياسية محددة، أبرزها كسب التعاطف الشعبي وتوسيع النفوذ الرمزي. أما الحقيقة الأعمق، فهي أننا أمام صراع مصالح بحت، تُستخدم فيه كل الأدوات الممكنة، بما في ذلك الدين، لكن دون أن يكون هو جوهر الصراع أو محركه الأساسي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء